الصفحة 23 من 37

إذا علم ذلك، فهل للجمعيات الخيرية شراء دور للسكنى مثلًا، او غيرها، ووقفها لاستثمار ريعها لصالح الجمعية؟ وهل يمكن جمع مال من عدة جهات، وتوظيفه في هذا الباب؟ وما الضوابط الشرعية التي يجب ان تضبط هذا الباب؟

وقبل الدخول في تفاصيل هذا التساؤل، لابد من نظرة عامة على هذا المسلك.

أولًا: المفروض ان الجمعية منحصر عملها في القيام باعمال البر والإحسان، وأن كافة مشاريعها الاستثمارية لاتقوم بها إلا إذا غلب على الظن ان فيها غبطة للجمعية، ونفعها ظاهرًا ينمي مواردها، ويرقى بمستواها إلى تحقيق اهدافها التي تسعى جاهدة لنيلها.

فإذا كان في وقف دور مصلحة، ويتحقق به مقصود الشرع، لأنه وسيلة لتحقيق المقاصد الشرعية، فلا اعتراض على ذلك.

قال الغزالي في المستصفى: (عن المصلحة في الأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ثم بيّن مقصوده من المصلحة بقوله:(ولسنا نعني بها ذلك، فإن جلب المنفعة، ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحقيق مقاصدهم، ولكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو ان يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل مايتضمن هذه الأصول، فهو مصلحة، وكل مايفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعه مفسدة) [1] .

إذًا فعندنا مصلحة دينية، ولدينا إحدى الوسائل: أي الطرق المفضية إلى تحقيق المصلحة.

قال ابن عاشور: المقاصد: هي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها، والوسائل هي الطرق المفضية إليها، والوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل. [2] .

ولا يمتري اثنان أن الوقف إذا كان ريعه كثيرًا، ونتاجه وفيرًا ينمي موارد الجمعيات، ويكون أحد الروافد المهمة، فهو وسيلة مأمونة، ومورد شبه مضمون.

وبما ان للوسائل حكم المقاصد، فيكون وقف الجمعيات الخيرية من أفضل الوسائل.

وبناءً على ذلك فالجمعية إذا رأت مصلحة ظاهرة أن تحبس أصلًا او أصولًا، ليكون هذا التحبيس رافدًا استثماريًا لتنمية موارد الجمعية، وهذا موضع اتفاق بين فقهاء الأمة، وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بالجانب الاقتصادي للمسلمين، وضرب لهم سوقًا خاصًا

(1) - المستصفى (1/ 284) .

(2) - مقاصد الشريعة الإسلامية ص 413.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت