الصفحة 6 من 37

صلاحًا من ذاك، أو تولية من لا يصلح أصلًا لأسباب خارجية كالعصبية والقرابة أو بسبب رشوة ونحو ذلك، فإن هذا خيانة لله تعالى وللأمة.

فالإحسان والإتقان مطلوبان شرعًا لأن الله كتب الإحسان على كل شيء كما ثبت في صحيح مسلم، ولا يتحققان إلا إذا وضع الإنسان في مكان ترفعه مؤهلاته ومواهبه وقدراته الإدارية إلى مرتبة الإتقان والإحسان، فليست العبادة وحدها تكفي، وقد صرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن الولاية أي تولي الوظائف والإمارة حين طلب ذلك، وقال له: (( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأعطى الذي عليه فيها ) ) [1] .

وهكذا رأى النبي عليه والصلاة والسلام أن أبا ذر الغفاري لم تكن مواهبه الإدارية مؤهلة له لمرتبة الإمارة وسياسة الناس، واعتبره ضعيفًا في هذا المجال، فصرفه عن طلبه هذا مع محبته - صلى الله عليه وسلم - له، وتزكيته له بأنه أصدق الناس لهجة، ونحو ذلك ولذا فقد كان من هديه - صلى الله عليه وسلم - أن يختار للقضاء أناسًا، ولجمع أموال الزكاة أناسًا، ولقيادة السرايا والحملات العسكرية آخرين، مراعيًا في ذلك كله مؤهلاتهم ومواهبهم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم حافلة بالشواهد.

-- ولذلك يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أنه على الدولة على وجه الإلزام إعداد الكفايات من المواطنين للقيام بوظائفها، والنهوض بالخدمات العامة، وهي فكرة لم تسبق إليها الحضارات قبل الإسلام، إلا أنه رحمه الله يرى جواز تولية أصلح الموجود، وإن لم يكن متأهلًا، حتى يتم تأهيل الكوادر وهذا نص كلامه:

(( ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس مالا بد لهم من أمور الولايات والإمارات ونحوها ) ) [2] .

(1) رواه مسلم في كتاب القضاء - أنظر صحيح الترغيب والترهيب ج 2/ 2176.

(2) السياسة الشرعية. ص (36) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت