يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافا واضطرابا وشكا وارتيابا
ولذلك قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } سورة البقرة 213
فأنزل الله الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه إذ لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النزاع والإختلاف على الإطلاق إلا بكتاب منزل من السماء ولا ريب أن بعض الناس قد يعلم بعقله ما لا يعلمه غيره وإن لم يمكنه بيان ذلك لغيره ولكن ما علم بصريح العقل لا يتصور أن يعارضه الشرع ألبتة بل المنقول الصحيح لا يعارضه معقول صريح قط قط
وقد تأملت ذلك في عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوص الصحيحة الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها الموافق للشرع
وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد وغير ذلك ووجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط بل السمع الذي يقال إنه يخالفه إما حديث موضوع أو دلالة ضعيفة فلا يصلح أن يكون دليلا لو تجرد عن معارضة العقل الصريح فكيف إذا خالفه صريح المعقول
ونحن نعلم أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول بل بمحارات العقول فلا يخبرون بما يعلم العقل انتفاءه بل يخبرون بما يعجز العقل عن معرفته