شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [10]


الحلقة مفرغة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحا بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس ترجمة الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وعن سائر الصحابة الكرام، وقد طالت ترجمته، ونسأل الله جل وعلا أن يتقبل ذلك منا، وأن يكون ذلك دليلاً على حبنا لهذا الصحابي الجليل المبارك، الذي كما قلت لكم، وتقدم معنا في ترجمته يعتبر سدس الإسلام.

إخوتي الكرام! قلت: سنتدارس ترجمته ضمن ثلاثة مباحث:

أولها: مضى الكلام عليه، فيما يتعلق بنسبه وصلته بالنبي عليه الصلاة والسلام، وحياته ونشأته.

وثاني المباحث: تقدم الكلام عليه أيضاً، في منزلته العلمية في الشريعة الإسلامية.

وآخر المباحث: وهو ثالثها وكنا نتدارسه، وكان في أمنيتي أن أنهي الكلام عليه في اللقاء الماضي؛ ولكن قدر الله وما شاء فعل، فلعلنا نتدارس هذا الجانب إن شاء الله، ونكمله في هذا اللقاء، ثم ننتقل إلى الباب الرابع عشر من أبواب الطهارة، من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا.

والمبحث الثالث من جوانب ترجمة هذا الصحابي الجليل المبارك، عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قلت: يتعلق بنبذة من أقواله الحكيمة المحكمة، وبطرف من طرف أقواله السديدة القيمة، فذكرت آخر شيء من أقواله، ما يتعلق بهذه الحياة، وأنها كلما امتدت فإلى الوراء، فنسأل الله حسن الخاتمة، فالصفاء والنور كان في العصر الأول الذي بعث فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، ثم بدأ الكدر والشوائب تحصل، وتزداد نسبتها إلى أن يأتي أمر الله، وذكرت كلامه في ذلك فكان يقول رضي الله عنه وأرضاه: لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي كان قبله.

وقلنا: هذه القضية ليست فيما يتعلق بالأمور الدنيوية، إنما فيما يتعلق بالأمور الأخروية المتعلقة بأمر الدين، ولذلك قال عبد الله بن مسعود : أما إني لست أعني عاماً أخصب من عام، ولا أميراً خيراً من أمير؛ ولكن علماؤكم وخياركم وفقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفاً، ويجيء قوم يقيسون الأمر برأيهم.

وهذا الكلام يخرج من مشكاة نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد ذكرت الأحاديث الكثيرة التي تقرر هذا الأمر، وأنه لا يأتي على الناس عام، إلا والذي بعده شر منه حتى يلقوا ربهم.

ثم بدأنا نتدارس التغير الذي حصل ووقت حصوله، فقلت: إن بداية التغير على هذه الأمة من موت النبي عليه الصلاة والسلام، وذكرت أثر أنس وأثر أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين: ( أن نبينا عليه الصلاة والسلام عندما دخل المدينة، وتنورت به، أضاء فيها كل شيء، فلما قبض عليه صلوات الله وسلامه أظلم فيها كل شيء )، يقول أنس وأبو سعيد رضي الله عنهم أجمعين: ( ما نفضنا أيدينا عن تراب النبي عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا قلوبنا )، يعني: حصل فينا شيء من التنافر، وما بقينا نعهد قلوبنا بالقلوب الصافية الرقيقة واللطيفة الخاشعة، التي كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لما كان يمدهم به عليه صلوات الله وسلامه من الخير والبركة والتعليم، كان ينور قلوبهم من النظر إلى نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام.

فالقلوب حصل فيها شيء من التغير بمجرد دفن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم بدأ التغير يمتد، فـأنس رضي الله عنه عندما ذهب إلى البصرة، وعاد إلى المدينة المنورة، سألوه: هل أنكرت شيئاً مما كنت تعهد؟ قال: ما أنكر شيئاً، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف.

وهذه الآثار تقدم تخريجها، ولا أريد أن أحيلها إلى كتاب معين، فألخص ما سبق على وجه الاختصار؛ لأكمل عليكم ما سنتدارسه في هذا اللقاء، قلت: ثم إن نسبة التغير زادت، فلما ذهب إلى بلاد الشام وسألوه عن التغير الذي حصل، فقال: ما أعلم شيئاً مما كان عليه أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة أيضاً قد ضيعت، ويريد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها كما كان يفعل أمراء بني أمية، سواء في بلاد الشام، أو في البصرة والكوفة، وقلت: في ذلك دليل على أفضلية المدينة المنورة في ذلك الحين، فكانت نسبة التغير فيها قليلا، وأما الأمصار النائية فنسبة التغير فيها كثير.

ثم قلت: إن التغير زاد وزاد، فنقلت عن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، وعن عطاء بن أبي رباح أنهم لا يعرفون شيئاً مما أدركوا عليه الناس إلا النداء بالصلاة، فيقول عطاء رضي الله عنهم أجمعين: ما أعلم تأذينهم يخالف تأذين من مضى، يعني: الأذان هي الشعيرة الباقية على ما كانت عليه، وما طرأ عليها تغير عن هيئتها وكيفيتها، وأما سائر الأمور فطرأ عليها ما طرأ.

وقد نقلت كلام الحافظ ابن حجر سابقاً من الفتح فيما يتعلق بهذه القضية، وكيف مزجت مسائل الديانة بكلام الفلاسفة واليونان، ثم ختم الحافظ ابن حجر كلامه فقال: السعيد من اقتدى بمن سلف، وترك ما أبدعه الخلف، فهذا كله تكلمنا عليه فيما مضى وتداركناه.

إخوتي الكرام! إن التغير حصل من وفاة نبينا عليه الصلاة والسلام، والتغير يزداد فلا يأتي يوم، ولا عام إلا والذي بعده شراً منه، وكل يوم هو شر من الذي قبله، وهذا الأمر لا يختلف فيه اثنان إذا رجعا إلى نصوص الشرع، وأما إذا أراد الإنسان أن يتكلم بهوسه وعقله ممَّا تسمعونه في هذه الأيام من أن الأمة في صحوة، وأنها خير من حالها السابق، فهذا باطل لا واقع له، إنما هذا بمثابة تخدير المرضى، فنحن مرضى ليخدرنا الشيطان فيقول: أنتم في صحوة، فنسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، إنه أرحم الرحمين، وأكرم الأكرمين.

قول عبد الله بن مسعود في الفرق بين حال الصحابة وحال التابعين

إخوتي الكرام! فالمعول دائماً في جميع الأمور على ما في القلوب، والقلوب حصل فيها تناكر، وما بقي في القلوب الصفاء الذي كان يشعر به من قبلنا، وكل يوم يأتي على الأمة يحصل في القلوب ظلمة وتناكر أكثر من اليوم الذي قبله، وليست المسألة، فقد تزيد نسبة المساجد عن السنة الماضية؛ لكن نسبة التشويش في القلوب في هذه السنة أكثر منها في السنة الماضية، وسأذكر لكم وضع الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم أجمعين، وأنه ما فضلوا عن هذه الأمة إلا بشيء وقر في قلوبهم، مع أن من جاء بعدهم زاد عليهم في العبادات الظاهرة؛ لكن حقيقة قلوبهم كانت طاهرة، فبما في قلوبهم من هذه المعاني زادوا درجة عند الله جل وعلا، وقد شهد لهم بصفاء السريرة، وطهارة القلوب، علام الغيوب: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] فعلم ما في قلوبهم من الصدق، والإخلاص، والإنابة إلى الله جل وعلا، وتقديمهم حظ الآخرة على حظ الدنيا.

وهذا ما يشير إليه عبد الله بن مسعود فيقارن بين حياة الصحابة وحياة التابعين بما ذكرته لكم من أن القلوب تكدرت وتغيرت، فقلوب الصحابة فيها صفاء لم يحصل في خير من جاء بعدهم، مع كثرة عبادتهم الظاهرة، وهذا يقوله من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، في خلوته وجلوته، وفي سره وعلنه، وفي سفره وحضره، فيقول كما في المستدرك في الجزء الرابع صفحة خمس عشرة وثلاث مائة، بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبي، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية في الجزء الأول صفحة ست وثلاثين ومائة، وهو في المعجم الكبير للإمام الطبراني عليهم جميعاً رحمة الله، والأثر من رواية عمارة بن عمير التيمي ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، وقد تصحف الأمر على شيخ المحدثين وإمامهم الإمام الهيثمي في المجمع، فقال عليه رحمة الله ورضي الله عنه في المجمع: عمارة بن يزيد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وهو كما قلت: عمارة بن عمير التيمي ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، فلعله فيما يظهر لي والعلم عند ربي، أن كلمة عبد الرحمن سقطت، فصار عمارة بن يزيد ، لكن كما قلت: هو في طبعة المستدرك عمارة بن عمير التيمي ، وهو ثقة ثبت حديثه مخرج في الكتب الستة، قد توفي بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين.

وعبد الرحمن بن يزيد النخعي تقدمت معنا ترجمته، ثقة وحديثه مخرج في الكتب الستة أيضاً وتوفي سنة ثلاث وثمانين، فـعمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، اللذين هما تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، عن عبد الله بن مسعود ومحل الشاهد قول ابن مسعود : أنتم يعني: يا معشر التابعين! أنتم أكثر صلاةً وصياماً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: عباداتكم الظاهرة كثيرة، فتصومون نافلة كثيرة، وتصلون نافلة كثيرة، فأنتم أكثر صلاة وصياماً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كانوا خيراً منكم، فهذا أمر عجيب، يعني: نصوم ونصلي أكثر منهم، ونلتزم بالشعائر الظاهرة، وهم أفضل منا، وهم خير منا، قالوا: لم أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، قلوبهم متعلقة بما عند الله، وهذه الدنيا ليست على بالهم.

وحقيقة كون الدنيا ليست على بالك، إن جاءت لا تفرح بها، وإن ذهبت لا تحزن عليها، فهم كانوا كذلك، فلو صبت لهم جبال الذهب لما فرحوا، ولو ذهبت عنهم لما حزنوا، فقلوبهم متعلقة بما عند الله؛ لكن نحن لو زاد عندنا ريال واحد لفرحنا، ولو سقط من واحد ريالٌ فلعله في تلك الليلة يتشرد ذهنه، وما يعرف كيف سينام، فانظر لوضعهم رضي الله عنهم وأرضاهم، يقول: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، قلوب متعلقة بما عند علام الغيوب، ثم بعد ذلك صلاة وصيام على حسب طاقتهم ونشاطهم، فأنتم تكثرون من العبادات الظاهرة؛ لكن في القلوب خلل، والعمل دائماً يضاعف عند الله بما يقوم في القلب من تعظيم لله وإنابة إليه، ولذلك قد يعمل الاثنان العمل الواحد، فهذا عمله يزيد على وزن الجبال، وذاك عمله لا وزن له عند الله ولا اعتبار، فذاك في قلبه تعظيم لله، وهذا ليس فيه ذلك، وبذلك الصحابة الكرام، لو أن من بعدهم أنفق كل يوم مثل أحد ذهباً في سبيل الله، لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فلو أنفق الصحابي مداً من شعير أو من تمر، لزاد أجره على أجرك إذا أنفقت كل يوم مثل أحد ذهباً في سبيل الله، لأن الأجر يعظم عند الله، ويزداد ويكثر، ويبارك بمقدار ما في قلبك من تعظيم لربك، وهم كما قال هذا الصحابي الجليل: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، فالدنيا ليست على بالهم، وتراهم يتحركون، ويسكنون ويقولون: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فهذه الدنيا لا وزن لها ولا اعتبار، فهم كانوا خيراً منكم.

وهذا الكلام الذي كان يقوله هذا الصحابي الهمام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان التابعون أيضاً يتذاكرونه فيما بينهم، ويوصي بعضهم بعضاً به، من أنه ينبغي أن ننتبه لإخلاص القلوب لعلام الغيوب، فهذا إبراهيم التيمي الذي توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة، عن عمر يقارب الأربعين، وهو شيخ المسلمين، وشيخ الدنيا في زمانه، ولو مد الله في حياته لملأ الدنيا علماً وصلاحاً بأقواله التي تخرج من مشكاة النبوة كقول شيخه عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وقد مات في سجن الحجاج، ولما مات أري الحجاج أنه مات في سجنه رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: من الذي مات؟ قالوا: فقد كان إبراهيم يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه، أي: لا تعول عليه فلا قيمة له إذا كان لا يحضر الجماعة، وتفوته التكبيرة الأولى.

ويقول هذا العبد الصالح كما في كتاب الزهد، والرقائق لشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك والأثر في الحلية، كان يقول: كم بينكم وبين القوم؟ يعني: من تقدمهم من الصحابة، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فاتبعتموها، يعني: تأتي إليهم فيهربون منها، ويتصدقون بها ويوزعونها، وتدبر عنكم فتتبعونها وتجرون وراءها، فإن من قبلكم كانوا يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم، أي: التقدم ومعاصرة النبي عليه الصلاة والسلام ومشاهدته، ولهم من القدم والثبات والرسوخ في التقوى ما لهم، تتبعونها ولكم من الأحداث ما لكم، فقيسوا أمركم إلى أمرهم.

إخوتي الكرام! حقيقة إن القلوب لتزداد ظلمة وكدرة كلما امتد الزمان، ويدل على ذلك حديث أنس المتقدم في صحيح البخاري وسنن الترمذي وغيرهما: ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌ منه، حتى تلقوا ربكم )، فحديث أنس لما دخلوا وذكروا له ظلم الحجاج، وما يرون منه من بغي وشطط، قال: ( اصبروا لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ) على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فيذكر الشيخ علي القاري عند هذا الحديث قصة.

قال: كان بعض المشايخ من أهل شيراز في حجرته ومكتبته في وسط الليل، قائم لله يتعبد الله، ويأتي بأوراده، ويذاكر العلم، يقول: فهجم عليه خاطر، وألقي في روعه بأن يخرج من حجرته إلى الشارع، يقول: فما ملكت نفسي من أنه لا بد من الخروج، فالله يدفعه دفعاً لأجل أن يخرج، وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه سبحانه، أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] فلذلك الفراسة هي هم صادق يقع في القلب، لا يجد الإنسان له دفعاً، وهنا شيء يدفعه للخروج في وسط الليل، وهو الآن في ورده وصفوه وعلمه، قال: فخرجت، وإذا بامرأة في الشارع يريد أن يعتدي عليها رجل، فالله ألهمه أن يخرج من أجل أن ينقذها، فقال: ما لك يا أمة الله؟ في هذا الوقت تخرجين؟ فهذا وقت ريبة، فأخبرته أن لها عذراً في خروجها، فزوجها غير موجود، وطرأ عليها طارئ يحتاج أن تخرج إلى بيت أهلها، فقام لها هذان العاصيان في الطريق، يريدان الاعتداء عليها، فالله ألقى في قلب هذا الشيخ لأجل أن يخلص المرأة، يقول: فخلصتها، ومشيت أمامها كما مشى نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أمام ابنتي شعيب، وهي ترشده إلى الطريق حتى أوصلها إلى بيت أهلها، يقول: ثم عدت إلى خلوتي، فانقطع الخاطر، يقول: فوجدت في قلبي كدراً، فالصفاء الذي كان معي زال، يقول: مع أنني عندما التقيت بها وأوصلتها إلى بيتها وهي تمشي ورائي، ما ألقي في قلبي خاطر سوء، يعني: كأن معي حمارة وليست امرأة، فما خطر بقلبي شيء على الإطلاق؛ لكن بعد أن أوصلتها وعدت إلى الحجرة بدأ في قلبي نوازع البشر، يعني: في الخواطر الرديئة، يقول: ففكرت، قلت: سبحان الله! من أين جاءني هذا؟ هل هو من فساد في المطعم، تأملت مطعمي قلت أنه حلال، هل هو بسبب خلطتي مع ظالم؟ يقول: ما خالطت أحداً، هل بسبب فضول في الكلام أو في النظر؟ يقول: بحثت الجوانب التي تدخل منها خواطر السوء، فما رأيت جانباً يمكن أن تأتي هذه الخواطر منها، فقلت: ربي من أين جاءني هذا؟ يعني: أنت ألزمتني بأن أخرج لما ألقيت في روعي وقلبي، ثم لما رجعت وجدت هذا الغبش في قلبي، والصفاء ذهب عني، يقول: فألقي في روعي أن هذا بسبب بعدنا عن عصر نبينا عليه الصلاة والسلام.

والأمر كما قال أئمتنا:

الروح كالريح إن مرت على عطر طابت وتخبث إن مرت على الجيف

يعني: لو أن ريحاً مرت على جيفة حملت النتن، ولو مرت على عطر وبستان فيه من الورود والرياحين حملت الروائح الشهية الطيبة، وهكذا الروح عندما تعيش في مجتمع كله دنس، فيصبح فيها شيء من التأثر والغيم شاء الإنسان أم أبى.

ولذلك الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين بمجرد دفنهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وما نفضوا الأيدي، يقولون: أنكرنا قلوبنا.

فالصلاح الذي كان في ذلك الوقت وطهارة القلوب لا مثيل لها، وكلما امتد الزمان حصل التغير في القلب، والأعمال الظاهرة تتبع القلب، وإذا كثرت أعمال الإنسان الصالحة بالظاهر لكن القلب فاسد فلا قيمة لتلك الأعمال.

وهذا وضعنا إخوتي الكرام! فنحن نعيش في زمن ظلمات متراكبة يركب بعضها بعضاً، فنسأل الله أن يجعل لنا في قلوبنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، وفي أبصارنا نوراً، وأن يجعل لنا نوراً نمشي به، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

والحقيقة كما قال العبد الصالح: إن من كان قبلكم، كانوا أقل صلاة وصياماً منكم، وأنتم أكثر صلاة وصياماً منهم، ومع ذلك هم كانوا خيراً منكم؛ لأن القلوب متعلقة بعلام الغيوب، وكانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة.

ظهور قوم يقيسون الأمور برأيهم وينبذون القرآن وراء ظهورهم

إخوتي الكلام! وإذا أردتم أن تعرفوا حقيقة الخلل الذي حصل في القلوب، فاستمع لخللين ذكرهما هذا الحكيم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه:

الخلل الأول: سيأتي أناس يدعونك إلى القرآن وهم يكفرون به، وهذا في الحقيقة من البلايا والرزايا، في هذا العصر الذي نعيش فيه، يدعونك إلى التوحيد، وهم أهل الإلحاد، ويدعونك إلى السنة وهم أهل بدعة، لا يملكون من تلك الألفاظ إلا أسماء، أما مسمياتها وحقائقها فلا، ألا يدل هذا على التغير؟!

وروى الإمام الدارمي في سننه في المقدمة في الجزء الأول صفحة أربع وخمسين، عن أبي قلابة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال عبد الله بن مسعود : عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أصحابه، أي: علماؤكم وفقهاؤكم وخياركم يذهبون، ثم يأتي أقوام يقيسون الأمور برأيهم فلا تجدون خلفاً لأولئك الكرام الصالحين، عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أصحابه.

يقول أيضاً: عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وفي رواية: متى يفتقر إلى ما عنده؟ أما إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق، هذا كلام عبد الله بن مسعود الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

والتبدع: هو الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة والنقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، ولا تشهد نصوص الشرع الحسان لذلك الحدث، فهذا يقال له: بدعة.

والتنطع: التشدد، والتعمق: وهو الغلو.

ثم قال: (عليكم بالعتيق) أي: ما كان عليه سلفكم، يعني بعبارة هذه الأيام: عليكم بالرجعية لما كان عليه السلف الكرام.

فالذين يدعونك إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم هم من قاتلوا علياً بالسيف، وقالوا له: يا كافر! لا حكم إلا الله؛ فهذا الكلام المعسول هو في الحقيقة مردود، فالخوارج يعون كتاب الله؛ لكن نبذوه وراء ظهورهم، وقد تواترت الأحاديث فيهم أن الصحابة ومن سيلتقي بهم ( يحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، لكنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم ) يدعون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم.

وكذلك من البلاء فتنة المعتزلة الذين جاءوا بعد الخوارج، فهم يسمون أنفسهم أهل التوحيد والعدل، وأصحبت الأمة أهل التلحيد والجور، فهم فقط أهل التوحيد والعدل، وفي الواقع أن توحيدهم تلحيد، وعدلهم سقط وظلم وافتراء على الله عز وجل، فهم يريدون بالتوحيد نفي الصفات عن الله المجيد، فلو ثبت لله صفة لكان متعددا، أفنفي الصفات عن الله توحيد أو تلحيد؟ ويريدون بالعدل، أن الله قدر الخير وأراده، والشر يقع بغير تقدير الله وخلق منه، وعليه نفوا عموم مشيئة الله وعموم إرادته، فهذا عدل أو جور؟ وهم يدعون إلى كتاب الله، وأراقوا من دماء الأمة ما أراقوه تحت ستار العدل.

وكذا من الفتن على مر العصور ما كان من محمد بن الراوندي ، الذي كان يسمي نفسه بالموحدين في القرن السادس للهجرة، ووجدوا في المغرب، وأنشئوا دولة الموحدين، وكان يدعي أنه المهدي المنتظر الذي ذكره نبينا عليه الصلاة السلام، وكان يخطب على المنابر بأنه هو المهدي المعلوم المبشر به، ودخل في أمور من الجور لا يعلمها إلا الله، ويسلك مسلك المعتزلة أيضاً فيما يتعلق بالتوحيد، ثم يدعي أنه من الموحدين، فتجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، وما أكثر هؤلاء في هذه الأيام، ولذلك فعندما نرى كتباً في هذه الأيام، تتطاير هنا وهناك، كتب لا ترد على دعاة الإباحية والعلمانية، وعلى الفرق الضالة، وإنما كتب ترد على أئمة الشريعة الهداة، تجد كتباً في الرد على شيخ الإسلام الإمام النووي ، كما نشر بعض السفهاء كتاباً تحت ستار السنة والسلفية، وقال: إنه سيتعقب المسائل التي أخطأ فيها الإمام النووي في أمر العقيدة فيما يتعلق بتوحيد العبادة، فلما أتى لموضع التبرك وغيره، قال: التبرك هذا خطأ في توحيد العبادة، والإمام النووي كان مخطئاً في توحيده، فيحتاج الأمر إلى تصحيح ورد عليه، قال: أما الفروع فلا أريد أن أناقشه فيها؛ لأنه يحتاج إلى مجلدات، فمن أنت يا صعلوك! يا ضال! يا مضل؟! من أنت حتى تستدرك على الإمام النووي عليه رحمة الله، فيما يتعلق بأمر الاعتقاد؟ فأهل التحقيق والمنهجية في هذا العصر، يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، وأنا أقول لهذا الصعلوك ولأمثاله من السفهاء الذين يثيرون الشغب في هذه الأيام، على موضوع التبرك الذي ذكره الإمام النووي عليه رحمة الله، وذكره ابن حجر ، والذهبي ، غيرهم: أتحداكم أن تثبتوا تحريم هذا الأمر من كتاب أو سنة، أو فعل الصحابة، أو أقوال الأئمة الأربعة، لكن لا تأتينا باجتهادات من عندك، وتقول: هذا يدل على كذا، وهذا يدل على كذا، فلا يمكن أن نتبعك إلا إذا تركنا عقلنا وديننا فقط، فإذا كان عندك حجة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأقوال الأئمة الأربعة فعلى العين والرأس، وما سوى ذلك فلا، فإذا لم يكن الإمام النووي سلفياً فلا سلفي على وجه الأرض، وينبغي أن نعرف قدرنا ولا نتطاول على علمائنا.

وأنا أعجب غاية العجب! في هذا الوقت الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض، فعندما يتكلم إنسان على معاصر، يحصل ما يحصل! لكن إذا نشرت كتب في تسفيه آراء أئمتنا فلا يتمعر وجه أحدٍ من المعاصرين.

فإذا كنت تغضب لبعض المعاصرين، فمن باب أولى أن تغضب لأئمتنا السابقين. وقال بعض السفهاء ممن يشابهون هذا: إن مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من مذاهب الأئمة الأربعة في الأصول وفي الفروع، فانظر كيف أفسدوا في دين الله، ما لم يفسده الشيطان، وباسم الكتاب والسنة، فهذه هي السفاهة التي ليس بعدها سفاهة، وهذا ما تعيشه الأمة الإسلامية في هذه الأيام.

فاستمع لهذا الخلل الذي يشير إليه هذا الصحابي، وكأنه ينظر إلى ما سيقع، ولا غرو في ذلك فهو الذي صحب النبي عليه الصلاة والسلام، ويعلم ما سيقع في هذه الأمة في مستقبل الأيام، أما إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، التعمق، وعليكم بالعتيق وهو ما كان عليه سلفكم.

ومن ذلك صلاة التراويح فـأبو حنيفة ، والشافعي ، والإمام أحمد عليهم رحمة الله ورضوانه، يقررون أن السنة في صلاة التراويح أن يوتروا آخر ركعة بثلاث بناءً على فعل الخليفة الراشد المهدي عمر بن الخطاب ، الذي أمرنا بالاقتداء بسنته واتباع هديه، فيأتي سفهاء في هذه الأيام، يقولون: هذا بدعة، أوليس نحن أمرنا باتباع الأمر العتيق؟ فالأمر العتيق الذي فعله ثاني الخلفاء الراشدين، وهو أول من صليت في عهده صلاة التراويح جماعة في المسجد، وأما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فصليت بعض الليالي ثم تركت، ولم تصل في عهد أبي بكر جماعة حتى قبض، وفي خلافة عمر جمعت على عشرين ركعة؛ وهذا ثابت كما قلت: بالإسناد الصحيح، وأما الإمام مالك فزاد: ست وثلاثين ويشير بخمس من أجل أن يدركوا فضيلة أهل مكة؛ لأنهم كانوا كل بين أربع ركعات يطوفون سبعة أشواط، ولا يوجد طواف في المدينة المنورة، فإذاً نضاعف العدد، فهم يصلون عشرين ويوترون بثلاث، فنحن نجعل الثلاث واحدة وأربعين ركعة، بدل الطواف الذي يحصل منهم، هذا الآن أيضاً منقول عن هذا الإمام الرابع، وكل هذه أقوال عن الأئمة.

وقد ألف الشيخ عطية محمد سالم كتاباً في صلاة التراويح، وأثبت فيه أن صلاة التراويح عشرون ركعة، وصلت في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام منذ أن صلي فيه إلى زماننا، وقال: هذا المسجد منذ أن صليت فيه هذه الصلاة عشرون ركعة، وتتبع حتماً حوادث التاريخ في ذلك، وأثبت هذا، وكنت ذكرت في بعض الدروس السابقة عن شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحيم الأثري عندما صلى في المدينة المنورة إماماً للمسلمين صلاة التراويح، قلت: حافظ على الأمرين، كان في أول الليل يصلي عشرين، ويوتر بثلاث، اقتداء بسيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، وعلى حسب قول الجمهور، ثم يقوم في وسط الليل فيكمل فيصلي ست عشرة ركعة ويوتر بخمس كما يرى أهل المدينة.

إخوتي الكرام! فهذا الأمر لا بد من وعيه، فهذا أكبر خطر على الأمة، ألا وهو من يدعوك إلى كتاب الله وقد نبذ الكتاب وراء ظهره، أو يدعوك إلى السنة وقد نبذ السنة وراء ظهره، أو يدعوك إلى السلفية وقد نبذ السلفية وراء ظهره.

ضياع الدين بالمداهنة والنفاق

الخلل الثاني: وهو خلل المداهنة والنفاق، والإطراء بالباطل، فانظر لهذا الخلل الذي هو أشنع صفة في الإنسان، وما يترتب على هذا من إجرام.

يقول هذا العبد الصالح كما في كتاب العلل للإمام المبجل أحمد بن حنبل عليهم جميعاً رحمة الله، في الجزء الأول صفحة ثمان وستين ومائتين، والأثر ذكره الإمام ابن الجوزي في صفة الصفوة في الجزء الأول صفحة ثماني عشرة وأربعمائة، عن صالح بن شهاب البجلي رضي الله عنه قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين: إن الرجل ليخرج من البيت ومعه دينه، والإيمان في قلبه، فلا يعود إلا وقد ضيع دينه بالمداهنة والنفاق، يقول: فيلقى الرجل له إليه حاجة، فيقول: إن فيك كذا وفيك كذا من الخصال الكريمة فيثني عليه بما ليس فيه، وقد لا يحصل له من حاجته شيئاً فيرجع بسخط الله عليه.

وخلاصة القول: أن أول ما حصل التغير في القلوب، وقد يغير الإنسان ثم يدعي أنه على القرآن، وقد نبذ القرآن وراء ظهره، أو تغير آخر من مداهنة ونفاق، وهذه حقيقة عن تأمل حال الأمة في هذه الأيام.

وهنا أمر ينبغي التنبيه عليه وهو أن المداهنة ليست كالمدارة، فالمدارة أن تتلطف في كلامك كيلا تدخل مع الناس في مشاكل؛ لكن دون أن تثني عليهم، وأن تضع الحكمة في موضعها في المكان الذي يأخذها، وأن ترفق بالإنسان في التعليم والتوجيه، وأن تتحين الفرصة المناسبة لنصحه، دون أن تثني عليه، فهذه المداراة.

ومن لم يصانع في أمور كثيرة يضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم

لكن المداهنة باطلة، وللأسف أننا نجد هذا في طلبة العلم، فإذا أثنيت عليه أثنى عليك وإذا مدحته مدحك، وإذا كنت من جماعته جعلك من الصديقين، وإذا انحرفت جعلك من الشياطين، فيا عبد الله! رفقاً بنفسك، فأنت من أيام كنت تقول عن فلان أنه ناصر السنة، وأنه الشيخ السلفي والموحد وتقبل رأسه، وبين عشية وضحاها صار ضالاً يشتم في بيوت الله، فاتق الله في نفسك، فأنت ما مدحت لله، ولا قدحت لله، وأنت صاحب وزر في الحالتين، فلا تكن ممن يقبل الحق إذا وافق هواه، ويرده إذا خالف هواه، فإنك تعاقب في الحالتين، فإذا كان على الخير، وعلى الحق، أثنيت عليه؛ لكن إذا قدحت فيه من أجل هواك فلست مثاباً عليه، ولا القدح تثاب عليه، وهذه أحوالنا، فنسأل الله أن يحسن ختامنا.

إخوتي الكرام! فالمعول دائماً في جميع الأمور على ما في القلوب، والقلوب حصل فيها تناكر، وما بقي في القلوب الصفاء الذي كان يشعر به من قبلنا، وكل يوم يأتي على الأمة يحصل في القلوب ظلمة وتناكر أكثر من اليوم الذي قبله، وليست المسألة، فقد تزيد نسبة المساجد عن السنة الماضية؛ لكن نسبة التشويش في القلوب في هذه السنة أكثر منها في السنة الماضية، وسأذكر لكم وضع الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم أجمعين، وأنه ما فضلوا عن هذه الأمة إلا بشيء وقر في قلوبهم، مع أن من جاء بعدهم زاد عليهم في العبادات الظاهرة؛ لكن حقيقة قلوبهم كانت طاهرة، فبما في قلوبهم من هذه المعاني زادوا درجة عند الله جل وعلا، وقد شهد لهم بصفاء السريرة، وطهارة القلوب، علام الغيوب: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] فعلم ما في قلوبهم من الصدق، والإخلاص، والإنابة إلى الله جل وعلا، وتقديمهم حظ الآخرة على حظ الدنيا.

وهذا ما يشير إليه عبد الله بن مسعود فيقارن بين حياة الصحابة وحياة التابعين بما ذكرته لكم من أن القلوب تكدرت وتغيرت، فقلوب الصحابة فيها صفاء لم يحصل في خير من جاء بعدهم، مع كثرة عبادتهم الظاهرة، وهذا يقوله من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، في خلوته وجلوته، وفي سره وعلنه، وفي سفره وحضره، فيقول كما في المستدرك في الجزء الرابع صفحة خمس عشرة وثلاث مائة، بسند صحيح على شرط الشيخين أقره عليه الذهبي، والأثر رواه أبو نعيم في الحلية في الجزء الأول صفحة ست وثلاثين ومائة، وهو في المعجم الكبير للإمام الطبراني عليهم جميعاً رحمة الله، والأثر من رواية عمارة بن عمير التيمي ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، وقد تصحف الأمر على شيخ المحدثين وإمامهم الإمام الهيثمي في المجمع، فقال عليه رحمة الله ورضي الله عنه في المجمع: عمارة بن يزيد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وهو كما قلت: عمارة بن عمير التيمي ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، فلعله فيما يظهر لي والعلم عند ربي، أن كلمة عبد الرحمن سقطت، فصار عمارة بن يزيد ، لكن كما قلت: هو في طبعة المستدرك عمارة بن عمير التيمي ، وهو ثقة ثبت حديثه مخرج في الكتب الستة، قد توفي بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين.

وعبد الرحمن بن يزيد النخعي تقدمت معنا ترجمته، ثقة وحديثه مخرج في الكتب الستة أيضاً وتوفي سنة ثلاث وثمانين، فـعمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، اللذين هما تلاميذ عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، عن عبد الله بن مسعود ومحل الشاهد قول ابن مسعود : أنتم يعني: يا معشر التابعين! أنتم أكثر صلاةً وصياماً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: عباداتكم الظاهرة كثيرة، فتصومون نافلة كثيرة، وتصلون نافلة كثيرة، فأنتم أكثر صلاة وصياماً من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وهم كانوا خيراً منكم، فهذا أمر عجيب، يعني: نصوم ونصلي أكثر منهم، ونلتزم بالشعائر الظاهرة، وهم أفضل منا، وهم خير منا، قالوا: لم أبا عبد الرحمن؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، قلوبهم متعلقة بما عند الله، وهذه الدنيا ليست على بالهم.

وحقيقة كون الدنيا ليست على بالك، إن جاءت لا تفرح بها، وإن ذهبت لا تحزن عليها، فهم كانوا كذلك، فلو صبت لهم جبال الذهب لما فرحوا، ولو ذهبت عنهم لما حزنوا، فقلوبهم متعلقة بما عند الله؛ لكن نحن لو زاد عندنا ريال واحد لفرحنا، ولو سقط من واحد ريالٌ فلعله في تلك الليلة يتشرد ذهنه، وما يعرف كيف سينام، فانظر لوضعهم رضي الله عنهم وأرضاهم، يقول: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، قلوب متعلقة بما عند علام الغيوب، ثم بعد ذلك صلاة وصيام على حسب طاقتهم ونشاطهم، فأنتم تكثرون من العبادات الظاهرة؛ لكن في القلوب خلل، والعمل دائماً يضاعف عند الله بما يقوم في القلب من تعظيم لله وإنابة إليه، ولذلك قد يعمل الاثنان العمل الواحد، فهذا عمله يزيد على وزن الجبال، وذاك عمله لا وزن له عند الله ولا اعتبار، فذاك في قلبه تعظيم لله، وهذا ليس فيه ذلك، وبذلك الصحابة الكرام، لو أن من بعدهم أنفق كل يوم مثل أحد ذهباً في سبيل الله، لما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فلو أنفق الصحابي مداً من شعير أو من تمر، لزاد أجره على أجرك إذا أنفقت كل يوم مثل أحد ذهباً في سبيل الله، لأن الأجر يعظم عند الله، ويزداد ويكثر، ويبارك بمقدار ما في قلبك من تعظيم لربك، وهم كما قال هذا الصحابي الجليل: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة، فالدنيا ليست على بالهم، وتراهم يتحركون، ويسكنون ويقولون: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فهذه الدنيا لا وزن لها ولا اعتبار، فهم كانوا خيراً منكم.

وهذا الكلام الذي كان يقوله هذا الصحابي الهمام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، كان التابعون أيضاً يتذاكرونه فيما بينهم، ويوصي بعضهم بعضاً به، من أنه ينبغي أن ننتبه لإخلاص القلوب لعلام الغيوب، فهذا إبراهيم التيمي الذي توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة، عن عمر يقارب الأربعين، وهو شيخ المسلمين، وشيخ الدنيا في زمانه، ولو مد الله في حياته لملأ الدنيا علماً وصلاحاً بأقواله التي تخرج من مشكاة النبوة كقول شيخه عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، وحديثه مخرج في الكتب الستة، وقد مات في سجن الحجاج، ولما مات أري الحجاج أنه مات في سجنه رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: من الذي مات؟ قالوا: فقد كان إبراهيم يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه، أي: لا تعول عليه فلا قيمة له إذا كان لا يحضر الجماعة، وتفوته التكبيرة الأولى.

ويقول هذا العبد الصالح كما في كتاب الزهد، والرقائق لشيخ الإسلام عبد الله بن المبارك والأثر في الحلية، كان يقول: كم بينكم وبين القوم؟ يعني: من تقدمهم من الصحابة، أقبلت عليهم الدنيا فهربوا منها، وأدبرت عنكم فاتبعتموها، يعني: تأتي إليهم فيهربون منها، ويتصدقون بها ويوزعونها، وتدبر عنكم فتتبعونها وتجرون وراءها، فإن من قبلكم كانوا يفرون من الدنيا وهي مقبلة عليهم، ولهم من القدم، أي: التقدم ومعاصرة النبي عليه الصلاة والسلام ومشاهدته، ولهم من القدم والثبات والرسوخ في التقوى ما لهم، تتبعونها ولكم من الأحداث ما لكم، فقيسوا أمركم إلى أمرهم.

إخوتي الكرام! حقيقة إن القلوب لتزداد ظلمة وكدرة كلما امتد الزمان، ويدل على ذلك حديث أنس المتقدم في صحيح البخاري وسنن الترمذي وغيرهما: ( لا يأتي زمان إلا والذي بعده شرٌ منه، حتى تلقوا ربكم )، فحديث أنس لما دخلوا وذكروا له ظلم الحجاج، وما يرون منه من بغي وشطط، قال: ( اصبروا لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم، سمعته من نبيكم ) على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فيذكر الشيخ علي القاري عند هذا الحديث قصة.

قال: كان بعض المشايخ من أهل شيراز في حجرته ومكتبته في وسط الليل، قائم لله يتعبد الله، ويأتي بأوراده، ويذاكر العلم، يقول: فهجم عليه خاطر، وألقي في روعه بأن يخرج من حجرته إلى الشارع، يقول: فما ملكت نفسي من أنه لا بد من الخروج، فالله يدفعه دفعاً لأجل أن يخرج، وإذا أراد الله شيئاً هيأ له أسبابه سبحانه، أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] فلذلك الفراسة هي هم صادق يقع في القلب، لا يجد الإنسان له دفعاً، وهنا شيء يدفعه للخروج في وسط الليل، وهو الآن في ورده وصفوه وعلمه، قال: فخرجت، وإذا بامرأة في الشارع يريد أن يعتدي عليها رجل، فالله ألهمه أن يخرج من أجل أن ينقذها، فقال: ما لك يا أمة الله؟ في هذا الوقت تخرجين؟ فهذا وقت ريبة، فأخبرته أن لها عذراً في خروجها، فزوجها غير موجود، وطرأ عليها طارئ يحتاج أن تخرج إلى بيت أهلها، فقام لها هذان العاصيان في الطريق، يريدان الاعتداء عليها، فالله ألقى في قلب هذا الشيخ لأجل أن يخلص المرأة، يقول: فخلصتها، ومشيت أمامها كما مشى نبي الله موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه أمام ابنتي شعيب، وهي ترشده إلى الطريق حتى أوصلها إلى بيت أهلها، يقول: ثم عدت إلى خلوتي، فانقطع الخاطر، يقول: فوجدت في قلبي كدراً، فالصفاء الذي كان معي زال، يقول: مع أنني عندما التقيت بها وأوصلتها إلى بيتها وهي تمشي ورائي، ما ألقي في قلبي خاطر سوء، يعني: كأن معي حمارة وليست امرأة، فما خطر بقلبي شيء على الإطلاق؛ لكن بعد أن أوصلتها وعدت إلى الحجرة بدأ في قلبي نوازع البشر، يعني: في الخواطر الرديئة، يقول: ففكرت، قلت: سبحان الله! من أين جاءني هذا؟ هل هو من فساد في المطعم، تأملت مطعمي قلت أنه حلال، هل هو بسبب خلطتي مع ظالم؟ يقول: ما خالطت أحداً، هل بسبب فضول في الكلام أو في النظر؟ يقول: بحثت الجوانب التي تدخل منها خواطر السوء، فما رأيت جانباً يمكن أن تأتي هذه الخواطر منها، فقلت: ربي من أين جاءني هذا؟ يعني: أنت ألزمتني بأن أخرج لما ألقيت في روعي وقلبي، ثم لما رجعت وجدت هذا الغبش في قلبي، والصفاء ذهب عني، يقول: فألقي في روعي أن هذا بسبب بعدنا عن عصر نبينا عليه الصلاة والسلام.

والأمر كما قال أئمتنا:

الروح كالريح إن مرت على عطر طابت وتخبث إن مرت على الجيف

يعني: لو أن ريحاً مرت على جيفة حملت النتن، ولو مرت على عطر وبستان فيه من الورود والرياحين حملت الروائح الشهية الطيبة، وهكذا الروح عندما تعيش في مجتمع كله دنس، فيصبح فيها شيء من التأثر والغيم شاء الإنسان أم أبى.

ولذلك الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين بمجرد دفنهم للنبي عليه الصلاة والسلام، وما نفضوا الأيدي، يقولون: أنكرنا قلوبنا.

فالصلاح الذي كان في ذلك الوقت وطهارة القلوب لا مثيل لها، وكلما امتد الزمان حصل التغير في القلب، والأعمال الظاهرة تتبع القلب، وإذا كثرت أعمال الإنسان الصالحة بالظاهر لكن القلب فاسد فلا قيمة لتلك الأعمال.

وهذا وضعنا إخوتي الكرام! فنحن نعيش في زمن ظلمات متراكبة يركب بعضها بعضاً، فنسأل الله أن يجعل لنا في قلوبنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، وفي أبصارنا نوراً، وأن يجعل لنا نوراً نمشي به، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

والحقيقة كما قال العبد الصالح: إن من كان قبلكم، كانوا أقل صلاة وصياماً منكم، وأنتم أكثر صلاة وصياماً منهم، ومع ذلك هم كانوا خيراً منكم؛ لأن القلوب متعلقة بعلام الغيوب، وكانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة.

إخوتي الكلام! وإذا أردتم أن تعرفوا حقيقة الخلل الذي حصل في القلوب، فاستمع لخللين ذكرهما هذا الحكيم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه:

الخلل الأول: سيأتي أناس يدعونك إلى القرآن وهم يكفرون به، وهذا في الحقيقة من البلايا والرزايا، في هذا العصر الذي نعيش فيه، يدعونك إلى التوحيد، وهم أهل الإلحاد، ويدعونك إلى السنة وهم أهل بدعة، لا يملكون من تلك الألفاظ إلا أسماء، أما مسمياتها وحقائقها فلا، ألا يدل هذا على التغير؟!

وروى الإمام الدارمي في سننه في المقدمة في الجزء الأول صفحة أربع وخمسين، عن أبي قلابة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال عبد الله بن مسعود : عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أصحابه، أي: علماؤكم وفقهاؤكم وخياركم يذهبون، ثم يأتي أقوام يقيسون الأمور برأيهم فلا تجدون خلفاً لأولئك الكرام الصالحين، عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أصحابه.

يقول أيضاً: عليكم بالعلم فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه، وفي رواية: متى يفتقر إلى ما عنده؟ أما إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، والتعمق، وعليكم بالعتيق، هذا كلام عبد الله بن مسعود الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

والتبدع: هو الحدث في دين الإسلام عن طريق الزيادة والنقصان، مع زعم التقرب بذلك إلى الرحمن، ولا تشهد نصوص الشرع الحسان لذلك الحدث، فهذا يقال له: بدعة.

والتنطع: التشدد، والتعمق: وهو الغلو.

ثم قال: (عليكم بالعتيق) أي: ما كان عليه سلفكم، يعني بعبارة هذه الأيام: عليكم بالرجعية لما كان عليه السلف الكرام.

فالذين يدعونك إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم هم من قاتلوا علياً بالسيف، وقالوا له: يا كافر! لا حكم إلا الله؛ فهذا الكلام المعسول هو في الحقيقة مردود، فالخوارج يعون كتاب الله؛ لكن نبذوه وراء ظهورهم، وقد تواترت الأحاديث فيهم أن الصحابة ومن سيلتقي بهم ( يحقرون صلاتهم مع صلاتهم، وصيامهم مع صيامهم، لكنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم ) يدعون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم.

وكذلك من البلاء فتنة المعتزلة الذين جاءوا بعد الخوارج، فهم يسمون أنفسهم أهل التوحيد والعدل، وأصحبت الأمة أهل التلحيد والجور، فهم فقط أهل التوحيد والعدل، وفي الواقع أن توحيدهم تلحيد، وعدلهم سقط وظلم وافتراء على الله عز وجل، فهم يريدون بالتوحيد نفي الصفات عن الله المجيد، فلو ثبت لله صفة لكان متعددا، أفنفي الصفات عن الله توحيد أو تلحيد؟ ويريدون بالعدل، أن الله قدر الخير وأراده، والشر يقع بغير تقدير الله وخلق منه، وعليه نفوا عموم مشيئة الله وعموم إرادته، فهذا عدل أو جور؟ وهم يدعون إلى كتاب الله، وأراقوا من دماء الأمة ما أراقوه تحت ستار العدل.

وكذا من الفتن على مر العصور ما كان من محمد بن الراوندي ، الذي كان يسمي نفسه بالموحدين في القرن السادس للهجرة، ووجدوا في المغرب، وأنشئوا دولة الموحدين، وكان يدعي أنه المهدي المنتظر الذي ذكره نبينا عليه الصلاة السلام، وكان يخطب على المنابر بأنه هو المهدي المعلوم المبشر به، ودخل في أمور من الجور لا يعلمها إلا الله، ويسلك مسلك المعتزلة أيضاً فيما يتعلق بالتوحيد، ثم يدعي أنه من الموحدين، فتجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، وما أكثر هؤلاء في هذه الأيام، ولذلك فعندما نرى كتباً في هذه الأيام، تتطاير هنا وهناك، كتب لا ترد على دعاة الإباحية والعلمانية، وعلى الفرق الضالة، وإنما كتب ترد على أئمة الشريعة الهداة، تجد كتباً في الرد على شيخ الإسلام الإمام النووي ، كما نشر بعض السفهاء كتاباً تحت ستار السنة والسلفية، وقال: إنه سيتعقب المسائل التي أخطأ فيها الإمام النووي في أمر العقيدة فيما يتعلق بتوحيد العبادة، فلما أتى لموضع التبرك وغيره، قال: التبرك هذا خطأ في توحيد العبادة، والإمام النووي كان مخطئاً في توحيده، فيحتاج الأمر إلى تصحيح ورد عليه، قال: أما الفروع فلا أريد أن أناقشه فيها؛ لأنه يحتاج إلى مجلدات، فمن أنت يا صعلوك! يا ضال! يا مضل؟! من أنت حتى تستدرك على الإمام النووي عليه رحمة الله، فيما يتعلق بأمر الاعتقاد؟ فأهل التحقيق والمنهجية في هذا العصر، يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، وأنا أقول لهذا الصعلوك ولأمثاله من السفهاء الذين يثيرون الشغب في هذه الأيام، على موضوع التبرك الذي ذكره الإمام النووي عليه رحمة الله، وذكره ابن حجر ، والذهبي ، غيرهم: أتحداكم أن تثبتوا تحريم هذا الأمر من كتاب أو سنة، أو فعل الصحابة، أو أقوال الأئمة الأربعة، لكن لا تأتينا باجتهادات من عندك، وتقول: هذا يدل على كذا، وهذا يدل على كذا، فلا يمكن أن نتبعك إلا إذا تركنا عقلنا وديننا فقط، فإذا كان عندك حجة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأقوال الأئمة الأربعة فعلى العين والرأس، وما سوى ذلك فلا، فإذا لم يكن الإمام النووي سلفياً فلا سلفي على وجه الأرض، وينبغي أن نعرف قدرنا ولا نتطاول على علمائنا.

وأنا أعجب غاية العجب! في هذا الوقت الذي هو ظلمات بعضها فوق بعض، فعندما يتكلم إنسان على معاصر، يحصل ما يحصل! لكن إذا نشرت كتب في تسفيه آراء أئمتنا فلا يتمعر وجه أحدٍ من المعاصرين.

فإذا كنت تغضب لبعض المعاصرين، فمن باب أولى أن تغضب لأئمتنا السابقين. وقال بعض السفهاء ممن يشابهون هذا: إن مذهب الإمام أحمد أقرب إلى السنة من مذاهب الأئمة الأربعة في الأصول وفي الفروع، فانظر كيف أفسدوا في دين الله، ما لم يفسده الشيطان، وباسم الكتاب والسنة، فهذه هي السفاهة التي ليس بعدها سفاهة، وهذا ما تعيشه الأمة الإسلامية في هذه الأيام.

فاستمع لهذا الخلل الذي يشير إليه هذا الصحابي، وكأنه ينظر إلى ما سيقع، ولا غرو في ذلك فهو الذي صحب النبي عليه الصلاة والسلام، ويعلم ما سيقع في هذه الأمة في مستقبل الأيام، أما إنكم ستجدون أقواماً يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، والتنطع، التعمق، وعليكم بالعتيق وهو ما كان عليه سلفكم.

ومن ذلك صلاة التراويح فـأبو حنيفة ، والشافعي ، والإمام أحمد عليهم رحمة الله ورضوانه، يقررون أن السنة في صلاة التراويح أن يوتروا آخر ركعة بثلاث بناءً على فعل الخليفة الراشد المهدي عمر بن الخطاب ، الذي أمرنا بالاقتداء بسنته واتباع هديه، فيأتي سفهاء في هذه الأيام، يقولون: هذا بدعة، أوليس نحن أمرنا باتباع الأمر العتيق؟ فالأمر العتيق الذي فعله ثاني الخلفاء الراشدين، وهو أول من صليت في عهده صلاة التراويح جماعة في المسجد، وأما في زمن النبي عليه الصلاة والسلام فصليت بعض الليالي ثم تركت، ولم تصل في عهد أبي بكر جماعة حتى قبض، وفي خلافة عمر جمعت على عشرين ركعة؛ وهذا ثابت كما قلت: بالإسناد الصحيح، وأما الإمام مالك فزاد: ست وثلاثين ويشير بخمس من أجل أن يدركوا فضيلة أهل مكة؛ لأنهم كانوا كل بين أربع ركعات يطوفون سبعة أشواط، ولا يوجد طواف في المدينة المنورة، فإذاً نضاعف العدد، فهم يصلون عشرين ويوترون بثلاث، فنحن نجعل الثلاث واحدة وأربعين ركعة، بدل الطواف الذي يحصل منهم، هذا الآن أيضاً منقول عن هذا الإمام الرابع، وكل هذه أقوال عن الأئمة.

وقد ألف الشيخ عطية محمد سالم كتاباً في صلاة التراويح، وأثبت فيه أن صلاة التراويح عشرون ركعة، وصلت في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام منذ أن صلي فيه إلى زماننا، وقال: هذا المسجد منذ أن صليت فيه هذه الصلاة عشرون ركعة، وتتبع حتماً حوادث التاريخ في ذلك، وأثبت هذا، وكنت ذكرت في بعض الدروس السابقة عن شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحيم الأثري عندما صلى في المدينة المنورة إماماً للمسلمين صلاة التراويح، قلت: حافظ على الأمرين، كان في أول الليل يصلي عشرين، ويوتر بثلاث، اقتداء بسيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين، وعلى حسب قول الجمهور، ثم يقوم في وسط الليل فيكمل فيصلي ست عشرة ركعة ويوتر بخمس كما يرى أهل المدينة.

إخوتي الكرام! فهذا الأمر لا بد من وعيه، فهذا أكبر خطر على الأمة، ألا وهو من يدعوك إلى كتاب الله وقد نبذ الكتاب وراء ظهره، أو يدعوك إلى السنة وقد نبذ السنة وراء ظهره، أو يدعوك إلى السلفية وقد نبذ السلفية وراء ظهره.




استمع المزيد من الشيخ عبد الرحيم الطحان - عنوان الحلقة اسٌتمع
شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [4] 4042 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [6] 3974 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [9] 3903 استماع
شرح الترمذي - مقدمات [8] 3783 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [46] 3782 استماع
شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2] 3769 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [18] 3565 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [24] 3479 استماع
شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [10] 3462 استماع
شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [59] 3411 استماع