فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 65

وقت البلوغ كان هذا الجهل عذرًا لخفاء الدليل، إذا لولي مستبد بالإنكاح كما قلنا، وإن علمت بالنكاح ولم تعلم بالخيار لم تعذر وجعل سكوتها رضا؛ لأن دليل العلم في حقها مشهور غير مستور لاشتهار أحكام الشرع في دار الإسلام وعدم المانع من التعلم، أما تزويج الأب فلا يثبت فيه خيار البلوغ إلا إذا زوجها من غير الكفء أو بغبن فاحش، فإذا زوجها من الكفء وبمهر المثل فلا يكون لها خيار البلوغ أصلًا، وذلك لكمال الشفقة والنظر بالمصلحة في حقها، قال شمس الأئمة (رحمه الله) : خيار البلوغ أمر ظاهر يعرفه كل واحد، ولظهوره ظن بعض الناس أنه يثبت في إنكاح الأب [1] .

الجهل الذي لا يصلح عذرًا

في بعض أنواع من الفروع

ذكرنا فيما سبق أن الشارع الحكيم قد شدد في الاعتقادات تشديدًا عظيمًا إلى حد أن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه في رفع الجهل عنه في صفة من صفات الله تعالى أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الديانات، ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثمًا كافرًا يخلد في النيران على المشهور عند أهل العلم.

وإلحاقًا بالقسم السابق (الرابع) نرى من تمام الفائدة أن نذكر هنا ما أضافه العلامة القرافي في هذا الخصوص حيث يضع ضابطًا لما يعذر فيه بالجهل في الفروع والجهل الذي لم يتسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة ولم يعف عن مرتكبه.

فيقول: اعلم أن صاحب الشرع قد تسامح في جهالات في الشريعة فعفا عن مرتكبها وأخذ بجهالات فلم يعف عن مرتكبها.

وضابط ما يعفى عنه من الجهالات، الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادة، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه.

ومثل لما يعفى عنه بصور:

الأولى: من أكل طعامًا نجسًا يظنه ظاهرًا فهذا جهل يعفى عنه لما في تكرار الفحص عن ذلك من المشقة والكلفة، وكذلك المياه النجسة، والأشربة النجسة، لا إثم على الجاهل بها.

الثانية: من شرب خمرًا يظنه خلافه فإنه لا إثم عليه في جهله بذلك.

(1) انظر: كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 482 - 484 والأشباه والنظائر لابن نجيم ج 3 ص 301، والاختيار ج 3 ص 93، 94، والكافي لابن عبد البر ص 231، والمعاني البديعة ج 2 ص 199، 200، والمغني والشرح الكبير ج 7 ص 379 - 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت