هناك أصل كبير من أصول شريعتنا هو: (مراعاة مصالح الخلق) ومما يدخل تحت هذه المصالح: رفع الحرج والمشقة عن المكلف وإعفاؤه مما لا يقدر عليه من التكاليف، سواء تعلق الأمر بالعبادات أو بالمعاملات.
كما يتفرع على هذا الأصل الكبير عدد من القواعد الكثيرة ترجع في جملتها إلى قاعدة: (المشقة تجلب التيسير) .
هذه القاعدة اتفق عليها الفقهاء، واعتبروها من كبريات القواعد الفقهية ومعناها: أن التكليف إذا شق على المكلف كان سببًا في التخفيف عنه بنوع من أنواع التخفيف؛ لأن الشارع لا يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه وتكليف الناس بما لا يطيقون، بل هو يراعي فيما كلفهم به قدراتهم وطاقاتهم.
ومما يدخل تحت هذا المعنى: ما اشترطه الفقهاء واعتبروه من إحدى القواعد: أنه يشترط لصحة التكليف أن يكون المكلف عالمًا بما كُلف به [1] .
فإذا عجزت قدرات المكلفين وطاقاتهم عن شيء مما كلفهم به الشارع انتقل بهم إلى الحد الذي ينتفي معه العجز وتتحقق القدرة.
كما أنه يترتب على قاعدة: اشتراط العلم أنه إذا انتفى علم المكلف بما كُلف به كأن ينسى ما كُلف به أو يجهل حكمه في أمر تترتب عليه مسئولية، فهل يعد معذورًا في كل ذلك أم لا؟
أصل هذه القاعدة: وأصول هذه القاعدة ترجع إلى النصوص الدالة على معناها، كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) [2] وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [3] وقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [4] وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [5] .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا» [6] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة» [7] ، وفى الحديث: «وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا» [8] .
(1) انظر: القواعد والفوائد الأصولية ص 57، 58.
(2) سورة البقرة - الآية 185.
(3) سورة النساء الآية 28.
(4) سورة البقرة الآية 285.
(5) سورة الحج آية 78.
(6) رواه البخاري في كتاب الإيمان - انظر: فتح الباري ج 1 ص 116.
(7) كتاب الإيمان في فتح الباري ج 1 ص 16، وكتاب الفضائل في صحيح مسلم بشرح النووي ج 15 ص 83.
(8) فتح الباري كتاب الأدب عن عائشة (بين أمرين فقط) ج 10 ص 541، ومالك في الموطأ (في أمرين) ج 2 ص 209.