فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 65

ثانيًا: المشاق الموجبة للتخفيفات الشرعية: ثبت في الأصول أن شرط التكليف هو قدرة المكلف على ما كلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعًا وإن جاز عقلًا عند الجمهور، وقد منعه الحنفية والمعتزلة عقلًا أيضًا.

وقد تكفل علماء الأصول بيان ذلك فنحيل عليه في مظانه.

ويبقى كلامنا فيا يدخل تحت مقدور المكلف لكنه شاق عليه، ولا تلازم من علمنا قصد الشارع انتفاء التكليف بما لا يطاق، أن نعلم منه نفي التكليف بأنواع المشاق، فلا تلازم بين التكليف بالمشاق والتكليف بما لا يطاق إثباتًا أو نفيًا.

ولذلك ثبت في الشرائع السابقة التكليف بالمشاق، ولم يثبت فيها التكليف بما لا يطاق، وأيضًا فإن التكليف بما لا يطاق قد منعه أكثر العلماء بخلاف التكليف ما يشق [1] .

تنقسم المشاق إلى ضربين هما:

الضرب الأول: مشاق تنفك عنها العبادات والمعاملات فهي خارجة عن المعتاد في الأعمال العادية، فتشوش على النفوس في تصرفها وتقلقها عند القيام بما فيه تلك المشقة، وهذا الضرب لم يقصد الشارع التكليف به والإعنات فيه، والدليل على ذلك ما يلي:

أولًا: النصوص الدالة على ذلك كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ) إلخ ما سبق ذكره في أصل قاعدة المشقة تجلب التيسير.

ثانيًا: ما ثبت من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به ومما علم من دين الأمة ضرورة، كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج والمشقة، وكذلك ما جاء من النهى عن التعمق والتكلف والتسبب في الانقطاع عن دوام الأعمال. ولو كان الشارع قاصدًا للمشقة في التكليف لما كان ترخيص ولا تخفيف.

ثالثًا: الإجماع على عدم وقوع الإعنات والمشقة وجودًا في التكليف، وهذا يدل على عدم قصد الشارع إليه.

رابعًا: أنه لو كان واقعًا لحصل التناقض والاختلاف في الشريعة، وذلك منفي عنها، فإنه إذا كان وضع الشريعة على قصد الإعنات والمشقة وقد ثبت أنها موضوعة على قصد الرفق والتيسير كان الجمع بينهما تناقضًا واختلافًا وهي منزهة عن ذلك [2] .

(1) الموافقات للشاطبي ج 2 ص 119.

(2) المرجع السابق ج 2 ص 122، 123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت