لقد سار الجمهور على تقسيم للجهل باعتبار تأثيره في الأحكام في الجملة بنفس التقسيم السابق للنسيان وتأثيره في الأحكام من ناحية جانب ترك المأمور من باب كذا، أو فعل منهي عنه من باب كذا نسيانًا أو جهلًا دون فروق جوهرية تستدعي الإطالة بعقد بحث خاص له.
ولما كان الحنفية مع موافقتهم للجمهور في هذا التقسيم ينفردون بتقسيم آخر ذكره بعض علمائهم مقسمًا له إلى أربعة أقسام هي:
1 -جهل باطل بلا شبهة لا يصلح عذرًا في الآخرة.
2 -جهل هو دونه لكنه باطل لا يصلح عذرًا في الآخرة أيضًا.
3 -جهل يصلح شبهة.
4 -جهل يصلح عذرًا.
وسنسير على هذا التقسيم مستشهدين لكل قسم من هذه الأقسام بتطبيقات من الفروع الفقهية على النحو السابق في الكلام في أقسام النسيان فنقول وبالله التوفيق:
القسم الأول: جهل باطل بلا شبهة لا يصلح عذرًا في الآخرة.
ومثاله: الكفر من الكافر، ولا يعد الجهل به عذرًا في الآخرة، بل هو مكابرة وجحود بعد وضوح الدليل، قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواًّ) [1] .
لأن الآيات الدالة على وحدانية الصانع جل جلاله وكمال قدرته وعظمة ألوهيته لا تعد كثرة ولا تخفى على من له أدنى لب كما قال أبو العتاهية:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله ... لم كيف يجحده جاحد
وفى كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وكذلك الأدلة على صحة رسالة الرسل من المعجزات القاهرة والحجج الباهرة ظاهرة محسوسة من زمانهم لا وجه إلى ردها وإنكارها، وقد نقلت تلك المعجزات بعد انقراض زمانهم بالتواتر قرنًا بعد قرن إلى يومنا هذا، فإن إنكارها بمنزلة إنكار المحسوس، فلذلك لم يجعل عذرًا بوجه.
أولًا: محل الاتفاق في هذه المسألة: اتفق العلماء على أن اعتقاد الكافر حكمًا من الأحكام على خلاف ما ثبت في الإسلام يصلح دافعًا للتعرض حتى ولو باشر ما دان به لا يتعرض له بوجه، وسواء كان هذا الحكم مما لا يحتمل التبدل كعبادة الأوثان والنار وبما يباشره من الكفر عامة، أو
(1) سورة النمل الآية 14.