وهذه العوارض نوعان: نوع سماوي: وهو ما يثبت من قبل صاحب الشرع بدون اختيار للعبد فيه، ولهذا نسب إلى السماء، فإن ما لا اختيار للعبد فيه ينسب إلى السماء، على معنى أنه خارج عن قدرة العبد، نازل من السماء، ومنه النسيان والمرض.
ومكتسب: وهو ما كان لاختيار العبد فيه مدخل [1] ومنه الجهل والخطأ والسفر والإكراه.
والمكتسب نوعان: نوع من العبد، ونوع من غيره، فمن الذي منه: الجهل والخطأ والسفر، وأما الذي من غيره فالإكراه.
هذا ولما كان بين كل من النسيان كعارض سماوي والجهل كعارض مكتسب وجه اشتراك هو: عدم علم كل من الناسي والجاهل بما أقدم عليه، فقد رأيت أن الترجمة التي تجمع بين هذين الأمرين والتي اختصصتها بهذا البحث هي: (العلم والعذر بعدمه وما يترتب عليه دراسة فقهية) استنادًا إلى القاعدة القائلة: إنه يشترط لصحة التكليف أن يكون المكلف عالمًا بما كُلف به.
وإذا لم يكن عالمًا، فهل يعد عدم العلم هنا مشقة يعذر بها المكلف أم لا؟
ونقدم للإجابة على ذلك ببيان حقيقة العلم بالمعنى المقصود هنا، ومستند صحة هذه الترجمة فنقول وبالله التوفيق:
قال بعض أهل العلم: العلم لا يحد لعسره، أي: بسبب عسر تصور حقيقته، إذ لا يحصل إلا بنظر دقيق لخفائه.
وقال بعضهم: لا يحد لأنه ضروري، أي: يحصل بمجرد التفات النفس إليه من غير نظر واكتساب، فيستحيل أن يكون غيره كاشفًا له.
لكن الصحيح عند أكثر العلماء أنه يحد، ولهم في حده عبارات، والمختار منها أن يقال:
1 -هو صفة يميز المتصف بها بين الجواهر والأجسام، والأعراض، والواجب والممكن والممتنع تمييزًا جازمًا مطابقًا، أي: لا يحتمل النقيض، وهذا أحد إطلاقاته.
كما يطلق لغةً وعرفًا أيضًا على ما يلي:
2 -فيطلق ويراد به مجرد الإدراك، يعني سواء كان الإدراك جازمًا، أو مع احتمال راجح أو مرجوح، أو مساوٍ على سبيل المجاز، ويشمل الأربعة قوله تعالى: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ) [2] إذ المراد نفي كل إدراك.
(1) كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 370.
(2) سورة يوسف الآية 51.