أنواع هذه المشقة: تتنوع هذه المشقة إلى ثلاثة أنواع هي:
النوع الأول: مشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأطراف، فهذه مشقة موجبة للتخفيف والترخيص؛ لأن حفظ المهج والأطراف لإقامة مصالح الدارين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات ثم تفوت أمثالها.
النوع الثاني: مشقة خفيفة كأدنى وجع في أصبع أو أدنى صداع أو سوء مزاج خفيف، فهذا لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة التي لا يؤبه لها.
النوع الثالث: مشقة واقعة بين هاتين المشقتين مختلفة في الخفة والشدة، فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من المشقة الدنيا لم يوجب التخفيف إلا عند أهل الظاهر كالحمى الخفيفة ووجع الضرس اليسير، وما وقع بين هاتين الرتبتين مختلف فيه، فمنهم من يلحقه بالعليا، ومنهم من يلحقه بالدنيا، فكلما قارب العليا كان أولى بالتخفيف، وكلما قارب الدنيا كان أولى بعدم التخفيف.
وقد تتوسط بعض المشاق بين الرتبتين بحيث لا تدنو من أحدهما، وهذه قد يتوقف فيها، وقد يرجع بعضها بأمر خارج عنها، وذلك كابتلاع الدقيق في الصوم، وابتلاع غبار الطريق، وغربلة الدقيق لا أثر له لشده مشقة التحرز منها، ولا يعفى عما عداها فما تخف المشقة في الاحتراز عنه، وفيما بينهما اختلاف، كابتلاع ماء المضمضة مع الغلبة لوقوعه بين الرتبتين، وذلك لأنه لما كانت المبالغة يمكن أن ترجع إلى تقصيره بفعله ما نهى عنه ألحقها بعضهم بما تيسر الاحتراز منه وأبطل بها الصوم وألحقها بعضهم بالمضمضة لوقوعها عن الغلبة.
هذا وتختلف المشاق في هذا الضرب باختلاف العبادات في اهتمام الشرع، فما اشتد اهتمامه به شرط في تخفيفه المشاق الشديدة أو العامة، وما لم يهتم به خففه بالمشاق الخفيفة، وقد تخفف مشاقه مع شرفه وعلو مرتبته لتكرر مشاقه كيلا يؤدي إلى المشاق العامة الكثيرة الوقوع.
مثاله: ترخيص الشرع في الصلاة التي هي من أفضل الأعمال تقام مع الخبث الذي يشق الاحتراز منه، ومع الحدث في حق المتيمم والمستحاضة، ومن كان عذره كعذر المستحاضة، وكذلك المشاق في الحج ثلاثة أقسام: منها ما يعظم فيمنع وجوب الحج ومنها ما يخفف ولا يمنع الوجوب، ومنها ما يتوسط فيتردد فيه، وما قرب منه إلى المشقة العليا كان أولى بمنع الوجوب، وما قرب منه إلى المشقة الدنيا كان أولى بألا يمنع الوجوب، ولا تختص المشاق بالعبادات بل تجري في المعاملات.
مثاله: الغرر في البيوع، وهو أيضًا ثلاثة أقسام: ما يعسر اجتنابه كبيع الفستق والبندق والرمان والبطيخ في قشورها فيعفى عنه.
القسم الثاني: ما لا يعسر اجتنابه فلا يعفى عنه.
القسم الثالث: ما يقع بين الرتبتين وفيه اختلاف، منهم من يلحقه بما عظمت مشقته لارتفاعه عما خفت مشقته، ومنهم من يلحقه بما خفت مشقته لانحطاطه عما عظمت مشقته، إلا أنه تارة يعظم الغرر