فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 65

فيه فلا يعفى عنه على الأصح كبيع الجوز الأخضر في قشرته، وتارة يخفف العسر فيه لمسيس الحاجة إلى بيعه، فيكون الأصح جوازه كبيع الباقلاء الأخضر في قشرته [1] .

الضرب الثاني: مشقة لا تنفك العبادة عنها، وفى بيانها يقول العز بن عبد السلام: إنها المشقة التي لا تنفك العبادة عنها كمشقة الوضوء والغسل في شدة السبرات، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد، ولا سيما صلاة الفجر، وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالبًا.

فهذه المشاق كلها لا أثر لها في إسقاط العبادات والطاعات ولا في تخفيفها لأنها لو أثرت لفاتت مصالح العبادات والطاعات في جميع الأوقات، أو في غالب الأوقات، ولفات ما رتب عليها من المثوبات الباقيات ما دامت الأرض والسماوات [2] ويزيد الإمام الشاطبي المسألة توضيحًا يرفع ما فيها من غموض ثم يستشعر بعض الأدلة التي يمكن أن يستشف منها القصد من الشارع لذات المشقة المعتادة فيجيب فيها قائلًا: إنه لا ينازع في أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم عنه كلفة ومشقة ما، ولكنها لا تسمى في العادة المستمرة مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش بالتحرف وسائر الصنائع؛ لأنه ممكن معتاد لا يقطع ما فيه من الكلفة عن العمل في الغالب المعتاد بل إن أهل العقول وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف.

وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة والتي تعد مشقة، وهو إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه وإلى وقوع خلل في صاحبه: في نفسه أو ماله أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في الغالب مشقة، وإن سميت كلفة، فأحوال الإنسان كلها كلفة في هذه الدار، في أكله وشربه وسائر تصرفاته، ولكن جعل له قدرة عليها بحيث تكون تلك التصرفات تحت قهره لا أن يكون هو تحت قهر التصرفات فكذلك التكاليف. وإذا تقرر هذا فما تضمن التكليف الثابت على العباد من المشقة المعتادة أيضًا ليس بمقصود الطلب للشارع بل من جهة ما في ذلك من المصالح العائدة على المكلف [3] .

استشعار ما يمكن أن يكون فيه قصد من الشارع إلى ذات المشقة والجواب عنه:

الوجه الأول: أن نفس تسمية التكليف تكليفًا يشعر بذلك، إذ حقيقته طلب ما فيه كلفة وهي المشقة.

الوجه الثاني: أن الشارع عالم بما كلف به وبما يلزم عنه، ومجرد التكليف يستلزم المشقة، فاستلزم أن يكون الشارع قاصدًا للمشقة هنا.

(1) انظر: قواعد الأحكام ج 1 ص 195، وقواعد المقري ج 1 ص 327، والفروق للقرافي ج 1 ص 119 والذخيرة للقرافي ج 1 ص 340.

(2) قواعد الأحكام ج 1 - ص 194.

(3) الموافقات ج 2 ص 123، 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت