فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 65

الوجه الثالث: أن المشقة في الجملة مثاب عليها إذا لحقت في أثناء التكليف مع قطع النظر عن ثواب التكليف، وإذا كانت المشقة من حيث هي مشقة مثاب عليها زيادة على معتاد التكليف كقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... ) الآية [1] فهذا يدل على أنها مقصودة له وإلا فلو لم يقصدها لم يقع عليها ثواب، فدل هذا على قصد الشارع لطلب المشقة بالتكليف.

الجواب عن الوجه الأول: أن التكليف إذا وجه على المكلف يمكن القصد فيه على وجهين:

أحدهما: أن يقصد إليه من جهة ما هو مشقة.

والثاني: أن يقصد إليه من جهة ما هو مصلحة وخير للمكلف عاجلًا وآجلًا.

أما الأول: فلا نسلم أنه قصد لما جاء من الأدلة التي يقصد بها التخفيف واليسر ونحو ذلك.

وأما الثاني: فلا شك أنه مقصود للشارع بالعمل، والشريعة كلها ناطقة بذلك، من كونها موضوعة للمصالح لا للمفاسد، والقصدان لا يلزم اجتماعهما فإن الطبيب يقصد بسقي الدواء المر البشع والإيلام بفصد العروق وقطع الأعضاء المتآكلة نفع المريض لا إيلامه، وإن كان على علم من حصول الإيلام، فكذلك يتصور في قصد الشارع إلى مصالح الخلق بالتكليف في العاجلة والآجلة، والإجماع على أن الشارع يقصد بالتكليف المصالح على الجملة.

الجواب عن الوجه الثاني: أنه لو لزم من قصد الشارع إلى التكليف بما يلزم عنه مفسدة في طريق المصلحة، قصده إلى إيقاع المفسدة لزم ما ثبت صحته بالبرهان من وضع الشريعة للمصالح لا للمفاسد، كما يلزم هنا أن يكون قاصدًا لرفع المشقة وإيقاعها معًا، وهو محال باطل عقلًا وسمعًا، فالمقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التي هي بطريق اللزوم، وهذا شأن الشريعة أبدًا، فالتكليف أبدًا جارٍ على هذا المهيع، ومن هنا لا يسمى ما يلزم عن الأعمال العاديات مشقة عادة.

الجواب عن الوجه الثالث: أن الثواب حاصل من حيث كانت المشقة لابد من وقوعها لزومًا عن مجرد التكليف، وبها حصل العمل المكلف به، من هذه الجهة يصح أن تكون كالمقصودة لا أنها مقصودة أصلًا، فرتب الشارع في مقابلتها أجرًا زائدًا على أجر إيقاع المكلف به [2] والله أعلم.

وبعد هذا البيان لأنواع المشاق نرجع إلى سؤالنا السابق وهو: هل يعد عدم العلم بالتكليف مشقة يعذر بها المكلف؟

وتتجلى الإجابة عن هذا السؤال مفصلة بالقدر الكافي في الفصلين التاليين إن شاء الله تعالى:

(1) سورة التوبة الآية 120.

(2) الموافقات ج 2 ص 125 - 127.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت