بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد.
فإن الفقه الإسلامي بأصوله وفروعه من أشرف العلوم قدرًا وأسماها منزلة، وأولاها طلبًا، إذ به يعرف الحلال من الحرام، والنفع من الضر، والرشد من الغي، ومن أهم وأجل أنواعه معرفة قواعده؛ لأنها كما يقول الإمام القرافي: عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء وتفاضل الفضلاء.
ولما كان الأصل في هذه الشريعة السمحة رفع الحرج والمشقة عن المكلف وإعفاؤه مما لا يقدر عليه من التكاليف، وقد بني على هذا الأصل وتفرع عنه هذه القاعدة الغراء التي تقول: (المشقة تجلب التيسير) والتي اتفق الفقهاء على اعتبارها من كبريات القواعد الفقهية.
ولما كان علم المكلف بما كلف به شرطًا لصحة تكليفه وإلا صار مكلفًا بما يشق عليه، وهو أمر وقع الإجماع على عدم وقوعه وجودًا في التكليف، كما أن الشارع الحكيم لم يقصد إليه.
وانطلاقًا من هذا الأساس أردت إلقاء الضوء على كل من النسيان والجهل باعتبارهما راجعان إلى معنى واحد وهو عدم علم من اتصف بأيهما بما أقدم عليه من تصرف، وبيان مدى اعتبارهما عذرًا صالحًا لسقوط حق الله أو حق العبد.
وقد اقتضى تخطيط هذا البحث أن يكون في تمهيد وفصلين أدرجت تحت كل منهما من الفروع والأغصان التي تتدلى من هذه الفروع ومن المسائل ما دعت الحاجة إليه مما رأيت أن له تعلقًا بموضوع البحث لزيادة إيضاح أو لإتمام الإحاطة بالمقصد، والله من وراء القصد.
راجيًا من الله عز وجل العون والسداد والهداية والتوفيق وحسن القبول إنه ولي ذلك والقادر عليه.