فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 65

مما يحتمل التغير كتحريم الخمر والخنزير ونحوها فلا يتعرض له في النوعين، وأن هذا الحكم لا يكون دافعًا لدليل الشرع، فلا يكون للكفر حكم الصحة بحال.

ثانيًا: محل الخلاف: ينحصر محل الخلاف إذن في الحكم الذي يحتمل التبدل، هل يكون دافعًا لدليل الشرع في الأحكام أم لا في رأيين:

الرأي الأول: وذهب إليه أبو حنيفة وصاحباه وجمهور الحنفية وهو المختار عندهم وفى رواية عن أحمد: إلى أن هذا الحكم يصلح دافعًا لدليل الشرع في الأحكام بمعنى أن ديانته تمنع بلوغ دليل الشرع إليه في الأحكام التي تحتمل التغير مثل تحريم الخمر والخنزير، وتحريم نكاح المحارم ونحوها فلا يثبت الخطاب في حقه فيبقى الحكم الذي كان قبل الخطاب في حقه على الصحة كما كان لقصور الخطاب عنه، حيث لم يثبت هذا الخطاب في حق الكافر؛ لأنه لا يعتقد صدق المبلغ ولا يرى كلامه حجة والشرع أمرنا أن لا نتعرض له إذا قبل الذمة فبقي على الجهل، وخرج الخطاب بإنكاره الرسول، وبأمر الشرع إيانا أن نتركهم عليه عن كونه حجة في حقه.

ما ينبني على هذا: ينبني على قول الإمام وصاحبيه: أن ديانة الكافر على خلاف الإسلام في الدنيا دافعة للتعرض والخطاب جميعًا، فيجعل الخطاب بتحريم الخمر وما أشبهه كأنه غير نازل في حقهم في أحكام الدنيا، بمنزلة الخطاب بتحريم الميتة في حق المضطر، وحتى كأن الخمر والخنزير في حقهم كالشاة والخل في حقنا [1] .

ولذا جاء عن الحنفية: إن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة [2] ، وأن الخطاب بها موضوع عنهم عندهم [3] .

الرأي الثاني: وهو ظاهر مذهب مالك، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد ورأي الرازي والكرخي من الحنفية أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام، وذلك لورود الآيات الشاملة لهم مثل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) [4] (يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ) [5] (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [6] (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ) [7] وأيضًا ورد الوعيد على ذلك كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [8] أي: فوق عذاب الكفر، وذلك إنما هو

(1) انظر: كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 458 - 460.

(2) انظر: التلويح على التوضيح ج 1 ص 213.

(3) كشف الأسرار عل البزدوي ج 4 ص 342.

(4) سورة البقرة آية 21.

(5) سورة الزمر آية 16.

(6) سورة البقرة آية 43.

(7) سورة آل عمران آية 97.

(8) سورة النحل آية 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت