على بقية عبادات الشرع، فالمراد أنهم يعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا، لا على الكفر وحده وإن كانوا لم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا [1] فإن ديانة الكافر دافعة للتعرض فقط وليست دافعة لخطاب الشرع.
قال الشافعي (رحمه الله) : فإن قال قائل: فلم لا تقول في الخمر والخنزير إنهما حلال لأهل الكتاب، وأنت لا تمنعهم من اتخاذه والتبايع به، قيل: قد أعلمنا الله تعالى أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، قال -رضي الله عنه-: كيف يجوز لأحد عقل عن الله عز وجل أن يزعم أنه حلال لهم، وقد أخبر الله أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، فإن قال قائل: أنت تقرهم عليه، قلت: نعم وعلى الشرك بالله [2] .
فلا يحد الذمي عند الشافعية والمالكية والحنابلة بشرب الخمر [3] ولا تراق عليه وذلك لأن خطاب التحريم تناول الكافر كما تناول المسلم، وقد بلغه الخطاب حقيقةً أو تقديرًا بالإشاعة في دار الإسلام، وهو من أهل الدار، وإنكاره تعنت وجهل، والجهل لا على سبيل التعنت ليس بعذر، فمع التعنت أولى إلا أن الشرع أمرنا أن لا نتعرض لهم بسبب عقد الذمة، وذلك لا يدل على صحة ما دانوا به من الأحكام، كما لا يدل على حصة ما دانوا به من الكفر، فما يرجع إلى التعرض من الأحكام لا يثبت في حقهم، وما لا يرجع إليه لا يثبت فلا يجب على الذمي حد الشرب؛ لأنه شُرِعَ زاجرًا في المستقبل، وفى إيجابه عليه تعرض له في المستقبل، فأما سائر الأحكام مثل إثبات تقوم الخمر والخنزير وإيجاب الضمان على المتلف وصحة البيع وما أشبه ذلك فلا يثبت؛ لأن ديانة الكافر ليست بحجة على غيره، بل أثرها في دفع التعرض عنه لا غير.
الرد على الشافعي (رحمه الله) : رد الحنفية عليه بأن تقويم الأموال، وإحصان النفوس من باب العصمة، وتفسير العصمة هو: الحفظ عن التعرض فيكون في تحقيق العصمة لنفوسهم وأموالهم تحقيق الحفظ لها عن التعرض أيضًا ولكن لا يلزم على هذا الرد أن ديانتهم معتبرة في دفع التعرض ودفع الخطاب عنهم في استحلال الربا أو الزنا؛ لأن ذلك ليس بديانة لهم، بل هو فسق في ديانتهم؛ لأن من أصل ديانتهم تحريم ذلك وهم منهيون عنه [4] والله أعلم.
(1) انظر: قواعد المقري ج 2 ص 470، وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 98، والتمهيد للأسنوي ص 126، وشرح الكوكب المنير ج 1 ص 500 - 504.
(2) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 278، والمعاني البديعة ج 2 ص 450، ومختصر المزني ص 280، والشرح الصغير للدردير ج 2 ص 406، والكافي لابن عبد البر ص 577، والقواعد والفوائد الأصولية ص 56.
(3) كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 465 - 167.
(4) كشف الأسرار على أصول البزدوي ج 4 ص 465 - 467.