القسم الثاني: جهل دون الأول ولا يصلح عذرًا أيضًا: وله أمثلة منها: جهل صاحب الهوى في صفات الله عز وجل، مثل جهل المعتزلة بالصفات فإنهم ينكرونها حقيقة بقولهم: إنه تعالى عالم بلا علم، قادر بلا قدرة سميع بلا سمع بصير بلا بصر، وكذا في سائر الصفات.
ومنها: جهل المشبهة، فإنهم قالوا بجواز حدوث صفات الله عز وجل وزوالها عنه، مشبهين الله تعالى بخلقه في صفاته، وهذا الجهل باطل لا يصلح عذرًا في الآخرة؛ لأنه مخالف للدليل الواضح الذي لا شبهة فيه سمعًا وعقلًا.
ومنها: غير ذلك كالجهل بأحكام الآخرة، مثل جهل المعتزلة بسؤال منكر ونكير وعذاب القبر والميزان والشافعة .. إلخ.
ومثل إنكار الجهمية خلود الجنة والنار وأهاليهما، فكل ذلك جهل باطل؛ لأن الدلائل الناطقة بهذه الأحكام من الكتاب والسنة كثيرة واضحة لا تخفى على من تأمل فيها عن إنصاف، فالجهل بها لا يكون عذرًا في الآخرة كجهل الكافر وهذه الأمثلة متصلة بالعقيدة.
وأما أمثلة هذا القسم فيما يتصل بالفروع، فنذكر:
أولًا: جهل الباغي، وهو الذي خرج عن طاعة الإمام الحق ظانًا أنه على الحق والإمام على الباطل، متمسكًا في ذلك بتأويل فاسد، كالخارجين على علي بن أبى طالب -رضي الله عنه- زاعمين أنه كفر حين ترك حكم الله وأخذ بحكم المحكمين في قضية التحكيم المشهورة، فهؤلاء هم الخوارج الذين تفرقوا في البلاد، وزعموا أن من أذنب فقد كفر، وكان هذا منهم جهلًا باطلًا؛ لأنه مخالف للدليل الواضح، فإن إمامة علي -رضي الله عنه- ثبتت باختيار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، كما ثبتت إمامة من قبله به، والرضاء بحكم الحكم فيما لا نص فيه أمر أجمع المسلمون على جوازه منصوص عليه في الكتاب فكيف يكون معصية؟ وكذا المسلم لا يُكفَّر بالمعصية، فإن الله تعالى أطلق اسم الإيمان على مرتكب الذنب في كثير من الآيات كقوله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) [1] وغيرها كثير، فجهلهم بعد وضوح الأدلة لا يكون عذرًا كجهل الكافر إلا أنه متأول بالقرآن، أي: متمسك به مؤول له على وفق رأيه، فكان هذا الجهل دون الجهل الأول من هذا الوجه، وإن كان لا يصلح عذرًا في الآخرة، ولكن لما كان هذا الجاهل وهو الباغي أو صاحب الهوى من المسلمين؛ لأنه لم يخرج عن الإسلام بالبغي وكذلك بالهوى إذا لم يغل فيه لزمنا مناظرته وإلزامه قبول الحق بالدليل وعدم العمل بتأويله الفاسد.
(1) سورة التحريم الآية 8.