فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 65

الثالثة: من قتل مسلمًا في صف الكفار يظنه حربيًّا، فإنه لا إثم عليه في جهله به لتعذر الاحتراز عن ذلك في تلك الحالة، ولو قتله في حالة السعة من غير كشف عن ذلك أثم.

الرابعة: الحكم يقضي بشهود الزور مع جهله بحالهم لا إثم عليه في ذلك لتعذر الاحتراز من ذلك.

تم يقول: وقس على ذلك ما يرد من هذا النحو، وما عداه فمكلف به، ومن أقدم مع الجهل فقد أثم.

ونلاحظ هنا أن صور المعفوات هذه إنما يرجع العفو فيها إلى الجهل بالمحكوم فيه؛ لأنه الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه، أما الجهل بالحكم فلا يعذر به؛ لأن الله أمر من لا يعلم أن يسأل ويتعلم ما أمكن ذلك، فلا عذر بالجهل بالحكم ما أمكن التعلم [1] .

وبهذا يتقرر أن الجهل نوعان: النوع الأول: جهل تسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فعفا عن مرتكبه لتعذر الاحتراز عنه عادة، النوع الثاني: جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه في الشريعة فلم يعف عن مرتكبه، وضابطه: أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه، وهو الجهل بالحكم.

وهذا النوع يضطرد فيبعض أنواع من الفروع، فيكون في العبادات ويكون في المعاملات كالعقود ونحوها، ويكون في الإسقاطات كالشفعة، ويكون في الحدود، ويكون في مجال الأحوال الشخصية.

وانطلاقًا من هذا الضابط وجدنا العلامة الشيخ خليل بن إسحاق المالكي [2] صاحب المختصر الفقهي المشهور قد نبه في كتابه «التوضيح» [3] إلى عدد من المسائل التي لا يعذر فيها أحد بالجهل في مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس -رضي الله عنه- وقد جاءت متناثرة في هذا الكتاب، ثم قام تلميذه العلامة بهرام [4] بنظم هذه المسائل في عدة أبيات تتضمن هذه المسائل وطبعت في ذيل كتاب «الأشباه والنظائر» للإمام جلال الدين السيوطي في عدة طبعات حتى ظن الناظرون فيها أنها لبعض العلماء المتقدمين من الشافعية ثم قام من العلماء المتأخرين الشيخ محمد الأمير الكبير

(1) انظر: قواعد المقري ج 2 ص 412، وشرح المنهج المنتخب ص 243.

(2) هو العلامة خليل بن إسحاق الجندي ت 776 هـ له تآليف مفيدة دالة على فضله وسعة اطلاعه منها: التوضيح المذكور، وهذا المختصر المشهور، ومناسك الحج.

(3) هو كتاب شرح به العلامة خليل مختصر ابن الحاجب الفقهي المسمى (جامع الأمهات) وما زال مخطوطًا.

(4) هو العلامة بهرام بن عبد الله الدميري ت 805 هـ تلميذ الشيخ خليل المذكور وله من المؤلفات كتاب الشامل (مخطوط) وثلاثة شروح على مختصر خليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت