أ- فمنها: الجهل في دار الحرب من مسلم لم يهاجر إلى بلاد الإسلام يكون عذرًا في الشرائع، فلو مكث مدة ولم يصل فيها، أو لم يصم، ولم يعلم أن عليه الصلاة والصوم، ولا يكون عليه قضاؤهما، وهذا ما ذهب إليه الشافعية والحنفية عدا زفر حيث قال: يجب عليه قضاؤهما؛ لأنه بقبول الإسلام صار ملتزمًا لأحكامه، ولكن قصر عنه خطاب الأداء لجهله به، وذلك لا يسقط القضاء بعد تقرر السبب الموجب كالنائم إذا انتبه بعد مضى وقت الصلاة.
ويرى الجمهور أن الخطاب النازل خفي في حقه لعدم بلوغه إليه حقيقة السماع، ولا تقديرًا باستفاضة وشهرته؛ لأن دار الحرب ليست بمحل استفاضة أحكام الإسلام، فيصير الجهل بالخطاب عذرا؛ لأنه غير مقصر في طلب الدليل، وإنما جاء الجهل من قبل خفاء الدليل في نفسه حيث لم يشتهر في دار الحرب بسبب انقطاع ولاية التبليغ عنهم [1] .
ب- جهل الخطاب في أول ما ينزل، فإنه خفي في حق من لم يبلغه من المسلمين لعدم استفاضته بينهم فيصير الجهل به عذرًا، وذلك مثل ما روي في قصة أهل قباء فإنهم صلوا الظهر إلى بيت المقدس بعد نزول فرض التوجه إلى الكعبة وافتتحوا العصر متوجهين إليه أيضًا، فأخبروا بتحول القبلة إلى الكعبة وهم في الصلاة فتوجهوا إليها وأتموا صلاتهم، وجوز ذلك لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب لم يبلغهم، وعليه حمل قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [2] أي: صلاتكم إلى البيت المقدس، فإن المذكور في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توجه إلى الكعبة قالوا: كيف من مات قبل التحويل من إخواننا؟ فنزلت هذه الآية [3] .
وقصة تحريم الخمر، فإن بعض الصحابة كانوا في سفر فشربوا بعد التحريم لعدم علمهم بحرمتها، فنزل قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) [4] .
فقد ثبت بما ذكر من هذه الأمثلة أن حكم الخطاب لا يثبت في حق المخاطب قبل علمه به، إذ ليس في وسعه الامتثال قبل العلم فلذلك يعذر، أما إذا انتشر الخطاب في دار الإسلام فقد تم التبليغ من صاحب الشرع، إذ ليس في وسعه التبليغ إلى كل واحد، إنما الذي في وسعه الإشاعة، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه مبلغًا إلى الكافة ببعث الكتب والرسل إلى ملوك الأطراف حتى يكون يقول: ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
(1) كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 479، 480، والأشباه والنظائر لابن نجيم ج 3 ص 300، والمعاني البديعة ج 1 ص 99.
(2) سورة البقرة الآية 143.
(3) انظر: تفسير ابن كثير ج 1 ص 192، وسنن الدارمي ج 1 ص 281.
(4) سورة المائدة الآية 93.