والولد جزء أبيه وأمه، فربما يشتبه أنها لما كانت حلالًا للأصل تكون حلالًا للجزء أيضًا، فيصير الجهل بالحرمة والتأويل، أي: تأويل أن الجارية تحل له كما تحل له الزوجة، وكما تحل جاريته لأبيه بالتملك شبهة في سقوط الحد، ويسمى هذا شبهة الاشتباه، فلا يثبت بها النسب وإن ادعاه لأنه زنا محض، ولا تجب العدة، والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «ادرءوا الحدود بالشبهات» وهذا بخلاف ما لو زنا بجارية أخيه أو أخته وقال: ظننت أنها تحل لي، حيث لم يجعل الجهل شبهة في سقوط الحد هنا؛ لأن منافع الأملاك بينهما متباينة عادة، فلا يكون هذا محل الاشتباه فلا يصير الجهل شبهة [1] .
وقال زفر (رحمه الله) : يجب عليهما الحد؛ لأن السبب وهو الزنا قد تقرر، بدليل أنهما لو قالا: علمنا بالحرمة يلزمهما الحد، فلو سقط إنما يسقط بالظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا كمن وطئ جارية أخيه أو أخته وقال: ظننت أنها تحل لي [2] .
وقريب من هذا المثال: أن يطأ المطلقة ثلاثًا أو على مال في العدة أو أم ولده بعد العتق في العدة، أو جارية مولاه، والمرتهن يطأ جارية الراهن؛ لأنه في كل ذلك ربما ظن أن له نوع حق في المحل ببقاء العدة، فظن أن ذلك يبيح وطأها، فكان ظنه مستندًا إلى دليل، فكان شبهة في درء الحد، إذا ادعى الحل، وبدون الدعوى انعدمت الشبهة ولا يثبت النسب، وإن ادعاه؛ لأنه زنا محض؛ لأن سقوط الحد لاشتباه الأمر عليه لا للشبهة في نفس الأمر.
2 -ومن أمثلة هذا النوع أيضًا: الحربي الذي أسلم ودخل دار الإسلام فشرب الخمر غير عالم بحرمتها، فإن جهله هنا يكون شبهة في سقوط الحد عنه، وهذا بخلاف ما إذا زنا ظانًا أن الزنا ليس بحرام، وبخلاف الذمي الذي أسلم وشرب الخمر ظانًا أنها حلال حيث يحدان جميعًا.
ووجه التفرقة بين شرب الخمر وبين الزنا من الحربي، والتفرقة بين الحربي وبين الذمي في شرب الخمر راجع إلى الأصل السابق تقريره، وهو أن الجهل في موضع الاشتباه يصلح شبهة دارئة للحد، وفى غير موضع الاشتباه لا يصلح لذلك.
وتوضيح ذلك: أن جهل الحربي بحرمة الخمر في موضع الاشتباه؛ لأنها ثبتت بالخطاب، وهو منقطع عن أهل الحرب ودارهم دار الجهل وضياع الأحكام، فصلح جهله شبهة دارئة، فأما جهله بحرمة الزنا ففي غير محله؛ لأن الزنا حرام في الأديان كلها، فلم يوقف العلم بحرمته على بلوغ
(1) شرح النقاية ج 4 ص 231، والاختيار ج 4 ص 89.
(2) انظر: كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 478، 479، وشرح النقاية ج 4 ص 230، والاختيار ج 4 ص 89، 90، والأشباه والنظائر لابن نجيم ج 3 ص 300، والكافي لابن عبد البر ص 575، وروضة الطالبين ج 7 ص 311، والمعاني البديعة ج 2 ص 420 والروض المربع بحاشية النجدي ج 7 ص 320، 321، والمغني والشرح الكبير ج 7 ص 530.