وجوب القصاص بعد ما تقرر سببه كما لو قتل رجلًا على ظن أنه قتل وليه، ثم ظهر وليه حيًّا كان عليه القصاص وهذا القول هو الأظهر عند الشافعية؛ لأنه متعد بالانفراد عندهم [1] .
المثال الثاني: الصائم يحتجم، ثم يفطر عمدًا على ظن أن صومه فسد بالحجامة فلا تلزمه الكفارة بهذا الإفطار بعدها، أو ظن جواز الأكل بعد حصول الإفطار بالحجامة لم تلزمه الكفارة على ذلك التقدير.
فكان ظن هذا الصائم في موضع يوجد فيه الاجتهاد؛ لأن الأوزاعي يقول بفساد الصوم بالحجامة استنادًا إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين رأى رجلين حجم أحدهما صاحبه: «أفطر الحاجم والمحجوم» [2] وفي حكم يسقط بالشبهة؛ لأن كفارة الصوم تسقط بالشبهات لترجح جانب العقوبة فيها.
وقد ذهب بعض الحنفية هنا إلى أن سقوط الكفارة لا يكون إلا إذا أفتاه فقيه يرى أن الحجامة مفطرة كالحنابلة وبعض أهل الحديث، أما إذا استند إلى ظنه فأفطر فلا يكون مستندًا إلى دليل شرعي، وإن قول الأوزاعي لا يصير شبهة لأنه مخالف للقياس أو أنه منسوخ كما في البخاري عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم [3] .
النوع الثاني: وهو الجهل في موضع الشبهة، فهو جهل في موضع لم يوجد فيه اجتهاد ولكنه موضع اشتباه، والشبهة التي تدرأ الحد نوعان سوف نذكرهما ونمثل لكل واحد منهما بمثال فنقول:
النوع الأول: شبهة في الفعل، وتسمى: شبهة اشتباه؛ لأنها تنشأ من الاشتباه وهي أن يظن الإنسان ما ليس بدليل الحل دليلًا فيه، ولا بد فيها من الظن لتحقق الاشتباه.
ومن أمثلة هذا النوع: أن يطأ الابن جارية أبيه أو جارية أمه أو جارية زوجته ثم يقول: ظننت أنها تحل لي، فلا يجب الحد عليهما عند الحنفية عدا زفر؛ لأنه بالنسبة لجارية الزوجة قد تمكنت بينهما شبهة الاشتباه؛ لأن مال المرأة من وجه مال الزوج، وقيل في تأويل قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) أي: بمال خديجة، ولأنها حلال له فربما يشتبه عليه أن حال جاريتها كحالها، وكذلك في جارية الأب والأم، قد يشتبه ذلك باعتبار أن الأملاك متصلة بين الآباء والأبناء والمنافع دائرة،
(1) كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 475، 476، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 219، والمعاني البديعة ج 2 ص 357.
(2) عون المعبود ج 6 ص 353، وانظر: كشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 477، والأشباه والنظائر لابن نجيم ج 3 ص 300.
(3) انظر شرح النقاية ج 2 ص 173 وكشف الأسرار على البزدوي ج 4 ص 477، والحديث رواه ابن عباس وغيره، انظر فتح الباري ج 4 ص 205، وسبل السلام ج 2 ص 569.