المبحث الثاني
أولويات ابن تيمية في الطلاق
وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى
أولوية بطلان طلاق السكران
اختلف الفقهاء في السكران إذا طلق هل يقع طلاقه أم لا يقع، على قولين:
القول الأول: رأي ابن تيمية أن السكران إذا طلق لا يقع طلاقه إذ قال: (كل من بطلت عبادته لعدم عقله فبطلان عقوده أولى وأحرى) [1] . وهو مروي عن عثمان وعبد الرحمن بن عوف - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وطاوس وعمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد بن أبي بكر ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة وعبد الله بن الحسن والليث وإسحاق وأبي ثور، وإليه ذهب بعض الحنفية والشافعية في قول، وهو رواية عن الإمام أحمد، وإليه ذهب الظاهرية والإمامية [2] .
واستدلوا:
1 -بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [3] .
وجه الدلالة: لا يقع طلاق السكران لأن الله تعالى جعل قوله غير معتد به ولأنه لا يعلم ما يقول، فإذا كان ذلك في الصلاة التي هي من حقوق الله تعالى فلا يعتد بطلاقه لأن فيه إضرارًا بالآخرين.
واعترض: بأن النص فيه نهي عن الصلاة مع السكر والنهي يقتضي أنه مكلف فيصح طلاقه [4] .
ويمكن أن يجاب: أن السكران كالمجنون لا يعتبر مكلفًا حال سكره ولأن في وقوع طلاقه ضررًا على الزوجة التي قد تكون لا تريد الطلاق.
2 -بما روي عن علي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال: (ليس لمجنون ولا سكران طلاق) [5] .
واعترض: بأن طلاق السكران محل خلاف بين الصحابة، ولم يحصل إجماعٌ فيه، وقول بعض الصحابة ليس بحجة ملزمة على البعض الآخر [6] .
(1) ينظر: مجموع الفتاوى: 2/ 128.
(2) ينظر: البحر الرائق: 3/ 431، والمجموع: 17/ 63، والمغني: 8/ 256، والمحلى: 10/ 209، والخلاف للطوسي: 4/ 480.
(3) سورة النساء: آية (43) .
(4) ينظر: نيل الأوطار: 7/ 24.
(5) ذكره ملا علي في شرح مسند أبي حنيفة: ص 477.
(6) ينظر: نيل الأوطار: 7/ 24.