الترجيح: بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم فالذي يبدو لي رجحانه هو ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني وهم القائلون بوقوع طلاق الذي حلف به حتى يكون ذلك رادعًا له عن الحلف بغير الله تعالى، ولأن أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق ولأن أدلة أصحاب القول الأول تدل على أنه تجب الكفارة على من حلف يمين وحنث بها، أما الحالف بالطلاق فلا يعتبر يمينًا يكفر عنها، والله أعلم.
المسألة الثالثة
الأولوية في صحة طلاق العبد
الفقهاء في وقوع طلاق العبد أو عدم وقوعه، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: رأي ابن تيمية - رحمه الله -، أن العبد إذا طلق يقع طلاقه إذ قال: الأولى وقوع طلاق العبد [1] .
وهو مروي عن عمر وعثمان وزيد - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وبه قال سعيد بن المسيب وإسحاق وابن المنذر، وإليه ذهب الحنفية والشافعية والإمام أحمد إلا أنهم قالوا طلاق العبد اثنتان سواء كانت زوجته حرة أم أمة [2] .
واستدلوا:
1 -بما روي عن عائشة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُا - قالت قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طلاق العبد اثنتان فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره) [3] .
وجه الدلالة: في الحديث دلالة على وقوع طلاق العبد وصحته.
القول الثاني: ليس للعبد طلاق والطلاق بيد سيده، وهو قول ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وعطاء والشعبي، وإليه ذهب الإمام مالك والإمامية [4] .
واستدلوا:
1 -بقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ) [5] .
2 -بما روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كان يقول: (طلاق العبد بيد سيده إن طلق جاز) [6] .
(1) ينظر: مجموع الفتاوى: 4/ 473.
(2) ينظر: المبسوط للسرخسي: 5/ 126، بداية المجتهد: 2/ 51، والأم: 5/ 274، ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: للشيخ محمد الخطيب الشربيني المتوفى سنة (977 هـ) ، دار إحياء التراث العربي - بيروت - 1377 هـ - 1958 م: 3/ 294، والمغني: 8/ 444.
(3) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى: 7/ 370، وذكره الزيلعي في نصب الراية: 3/ 329 وقال فيه مظاهر بن أسلم وهو ضعيف.
(4) ينظر: المدونة الكبرى: 2/ 183، والأم: 5/ 274، ونيل الأوطار: 7/ 26، ومختلف الشيعة للحلي: 7/ 267.
(5) سورة النحل: آية (75) .
(6) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه: الحافظ أبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة (211 هـ) ، تحقيق: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي - الهند - ط 1 - 1390 هـ - 1970 م: 7/ 238، والمتقي الهندي في كنز العمال: 9/ 678.