بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم فالذي يبدو لي رجحانه هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، وهم القائلون بعدم صحة نكاح الزانية إلا بعد أن يستبرأ رحمها، ولأن أدلة أصحاب القول الثاني والثالث والرابع، ليس المقصود منها عدم صحة الزواج من الزانية، إذا استبرأ رحمها، عند من أراد الزواج منها، وإنما هي للزجر وللترهيب من الزنى. وتفريق النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين الحامل من الزنى، وبين من واطأها، وهو لا يعلم بذلك، دليل لعدم استبراء رحمها، ولما في ذلك من اختلاط للأنساب. وبناءً على ذلك يجوز الزواج من الزانية إذا استبرأ رحمها، لأنها قد تتوب وتنتهي عن ذلك الفعل المحرم، والله أعلم.
المسألة الثالثة
أولوية إطلاق اسم السفاح على زواج المتعة
لابد قبل عرض الخلاف من بيان معنى نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل المرأة مدة من الزمن مثل أن يقول: زوَّجتُك ابنتي شهرًا أو سنة أو إلى انقضاء الموسم [1] .
واختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: رأي ابن تيمية، حرمة زواج المتعة وأنه أولى باسم السفاح إذ قال: (فإذا لم يكن له غرض معها ألم يكن أولى باسم السفاح المتعة المحرمة) [2] .
وهو مروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ - والأوزاعي والليث، وهو قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية والزيدية [3] .
واستدلوا:
1 -بما صح أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حرم المتعة فقال: (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة) [4] .
(1) ينظر: المغني لابن قدامة: 7/ 571.
(2) ينظر: مجموع الفتاوى: 3/ 222.
(3) ينظر: المبسوط: للشيخ شمس الدين أبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي المتوفى سنة (483 هـ) ، تحقيق: جمع من الأفاضل، دار المعرفة - بيروت - 1406 هـ: 5/ 152، والمدونة الكبرى: 2/ 196، وبداية المجتهد: 2/ 71، والمجموع: 16/ 249، والمغني لابن قدامة: 7/ 571، والمحلى: 9/ 519، و الأحكام في الحلال والحرام: يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم المتوفى سنة (298 هـ) : 1/ 51.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه: الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري المتوفى سنة (261 هـ) ، دار الفكر - بيروت - بدون طبعة وتاريخ: 4/ 132.