أجمعين - وصح عندنا عن الشعبي - وهو من أئمة التابعين علمًا وفقهًا ومقتدىً - أنه قال: إذا قرأت: (كل من عليها فان) [1] ، فلا تسكت حتى تقرأ: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) [2] " [3] ."
فمن هنا أدرك العلماء ما للوقف والابتداء من أهمية كبرى، فمنهم من أفرده بالتأليف، كالإمام نافع المدني، ويعقوب الحضرمي، وأبي بكر بن الأنباري، وأبي جعفر النحاس، وأبي عمرو الداني، والعُماني، والسجاوندي، والأشموني، ومنهم من ذكره ضمن مباحث علوم القرآن، كالإمام مكي في التبصرة، والسخاوي في جمال القراء، والنووي في التبيان، والزركشي في البرهان، وابن الجزري في النشر، والسيوطي في الإتقان [4] .
أولًا: الوقف اللازم: وهو: ما يلزم الوقف عليه، ومن ذلك الوقف على قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) [5] ، فلو وُصِل صار
(1) الرحمن، الآية 26.
(2) الرحمن، الآية 27.
(3) النشر 1/ 316، 317.
(4) انظر: الفهرست 38، 39، وجمال القراء 2/ 554، وهداية القارئ 369، وغاية المريد 213.
(5) البقرة، من الآية 253. وهو تام عند الأنصاري والأشموني. انظر: المقصد 62، ومنار الهدى 62.
وذكر الأشموني وجه تمامه فقال:"أنه لما قال: (فضلنا بعضهم على بعض) أي: بالطاعات، انقطع الكلام، واستأنف كلامًا في صفة منازل الأنبياء، مُفَصِّلًا فضيلة َكلِّ واحد بخصيصة ليست بغيره، كتسمية إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، وإرسال محمد إلى كافة الخلق، أو المراد فضلهم بأعمالهم، فالفضيلة في الأول: شيء من الله تعالى لأنبيائه، والثانية: فضلهم بأعمالهم التي استحقوا بها الفضيلة، فقال في صفة منازلهم في النبوة -غير الذي يستحقونه بالطاعة - (منهم من كلم الله) ، يعني موسى عليه السلام، (ورفع بعضهم درجات) ، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم". منار الهدى 62، 63. ثم ذكر بعد هذا وجه الإشكال في الوصل، قريبًا مما ذكره المؤلف. انظر المرجع السابق 63.