الصفحة 1 من 17

نظرية الظروف الطارئة وأثر اختلال التوازن الاقتصادي في تنفيذ العقود

بحث مقدم من قبل

إحسان ستار خضير

رئيس محكمة استئناف ذي قار

جزء من متطلبات الترقية إلى الصنف الأول

من صنوف القضاة

بإشراف

الأستاذ مدحت المحمود

عضو محكمة التمييز

1418 هـ 1997 م

إن العقد, أي عقد, ينعقد إذا أرتبط الإيجاب بالقبول على نحو يثبت أثره في المعقود عليه, وعلى أن يتم ذلك الارتباط وفقًا للصيغ والأوضاع التي ينص عليها أو يتطلبها القانون, وبعبارة أخرى فأنه إذا توافرت للعقد أركانه مستوفية شروط صحتها وذلك بأن صدر من أهله مضافًا إلى محل قابل لحكمه ولم يشب إرادة العاقدين عيب يفسدها فقد انعقد العقد صحيحًا نافذًا وترتبت عليه آثاره.

والأصل في العقد الصحيح واللازم عدم استطاعة احد العاقدين الرجوع عنه بإرادته المنفردة, حيث يكون ملزمًا لطرفيه ويجب عليهما الوفاء بالالتزامات المترتبة عليه. ولا يستطيع أي منهما أن ينفرد بنقضه أو تعديله إلا باتفاقهما على ذلك أو استنادًا إلى نص في القانون فالالتزام الذي ينشئه العقد يساوي الالتزام الذي يفرضه القانون, وحيث لا يجوز الخلاص من التزام مفروض بقوة أو بحكم القانون, لذا لا يجوز للمتعاقد أن يتحلل من التزام نشأ عن عقد هو طرف فيه, فالعقد كما هو معروف شريعة المتعاقدين بمعنى أنه قانونهما الخاص الذي يتضمن التزامات كل من طرفيه, وعليهما تنفيذه بكل ما أشتمل عليه من بالإضافة إلى كل ما يعتبر من مستلزماته وبما يتماشى مع القانون أو العرف أو العدالة وطبقًا لطبيعة الالتزام موضوع ذلك العقد.

ومن المفروض أن تتوازن التزامات طرفي العقد من الناحية الاقتصادية في مرحلة تكوين العقد. فإذا ثبت حصول اختلال في تلك الالتزامات ضمن المرحلة المذكورة فإن معالجة مثل هذا الاختلال والآثار الناجمة أو الناشئة عنه أو بسببه وصولًا إلى إزالة الضرر الذي لحق بأحد المتعاقدين, تتم استنادًا إلى الأحكام الخاصة بعقود الإذعان أو نظرية الاستغلال وبالقدر الذي يتصل بموضوع العقد وطبيعة الاختلال الناشيء.

أما إذا حصل اختلال في التوازن الاقتصادي في مرحلة لاحقة على تكوين العقد ونقصد بها مرحلة تنفيذ العقد وذلك بسبب حوادث استثنائية عامة وغير متوقعة, فأن معالجة مثل هذا الاختلال وبالتالي إزالة الضرر الناشيء عنه تتم استنادًا إلى الأحكام الخاصة بنظرية الظروف الطارئة.

ونظرية الظروف الطارئة تفترض وجود عقد يتراخى وقت تنفيذه إلى أجل وعندما يحل أجل التنفيذ تتغير الظروف الاقتصادية التي كان توازن العقد يقوم عليها وقت تكوينه, تغيرًا فجائيًا لحادث لم يكن في الحسبان فيختل التوازن الاقتصادي للعقد اختلالًا خطيرًا بحيث يصبح تنفيذ المدين للعقد يهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف. وطبقًا لهذه النظرية فإن التزام المدين لا ينقضي, لأن الحادث الطاريء ليس قوة قاهرة بل يتوجب إزالة الإرهاق الذي نشأ بسبب الحادث الطاريء أو تخفيفه إلى حد معقول.

ولأن أثر نظرية الظروف الطارئة يظهر في معظم العقود فقد حظيت باهتمام الفقهاء وشراح القانون ووجدت لها تطبيقات واسعة في أحكام القضاء.

وتبرز أهمية النظرية ومعالجاتها العادلة في المرحلة الراهنة على صعيد العراق, بشكل خاص, حيث أن العديد من العقود ذات الصلة بالأنشطة الاقتصادية المختلفة قد تأثرت أو تتأثر بالظروف التي نشأت بسبب الحصار الاقتصادي متعدد الأشكال المفروض عليه بموجب القرارات الجائرة والظالمة التي أصدرها مجلس الأمن الدولي اعتبارًا من آب 1990 وحتى الوقت الحاضر. وقد أدت هذه الظروف وما نجم عنها من أوضاع إلى اختلال واضح في التوازن الاقتصادي لأطراف هذه العقود مما يهدد بالخسارة المادية الجسيمة لبعض من أطرافها, وتشهد ساحات القضاء العراقي تطبيقات لأحكام النظرية من المؤمل أن تتوسع مستقبلًا بفعل الظروف التي ذكرناها وبما يوفر إمكانية إعادة التوازن الاقتصادي بين حقوق والتزامات الطرفين المتعاقدين. وبسبب هذه الأهمية التي تحظى بها نظرية الظروف الطارئة وآفاق تطبيقها حاليًا ومستقبلًا في العراق فقد أخترتها موضوعًا للبحث وعلى أساس الخطة الآتية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت