فمما تقدّم يتضّح وبجلاء أن القرطبي - رحمه الله - يدور مع الدليل حيث دار فإذا كان الدليل يؤيّد غير ما رجّحه الإمام مالك أخذ به، وهذا من سعة الأفق، ولا غرابة في ذلك فإن القرطبي لم يتعصّب للمذهب حتى في طلبه للعلم، فقد تلقّى العلم عن بعض مشايخ الشافعيّة كما ذكر في المسألة السادسة في آية الغنائم في أن السلب لا يُعطى للقاتل إلا أن يقيم البيّنة على قتله، قال: قلت: سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أبا قتادة - السلب بشهادة الأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس. [1]
مما يتميّز به القرطبي كذلك في تفسيره التحقيق التام للمذهب المالكي حيث يذكر روايات الإمام مالك في المسألة، وقول أئمة المذهب، ومن وافق، ومن خالف، وذلك في كثير من المسائل، ومع ذلك قد يرجح بين هذه الأقوال، والأمثلة في ذلك كثيرة:
فمنها أنه لما ذكر قَدر السفر الذي يترخّص فيه المسافر بالرّخص في آية الصيام قال: (( واختلف العلماء في قدر ذلك، فقال مالك: يوم وليلة، ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلًا، قال ابن خوَيزمَنْداد: وهو ظاهر مذهبه، وقال مرّة: اثنان وأربعون ميلا، وقال مرة ستة وثلاثون ميلًا، وقال مرة: مسيرة يومٍ وليلة، وروي عنه يومان، وهو قول الشافعي، وفصّل مرة بين البر والبحر، فقال في البحر مسيرة يوم وليلة، وفي البر ثمانية وأربعون ميلا، وفي المذهب ثلاثون ميلًا، وفي غير المذهب ثلاثة أميال ) ) [2]
وكذلك من الأمثلة مسألة دخول المرافق في الغسل في آية الوضوء حيث قال في المسألة السادسة: ... (( فقال قوم: نعم، وقيل: لا يدخل المرفقان في الغسل،