الصفحة 12 من 21

فهذا يدل على أن القرطبي - رحمه الله - يهتم بالمسائل الأصوليّة إلا أنه يؤْثر جانب الاختصار وعدم التطويل في ذكرها.

وبمناسبة الكلام على مسألة تخصيص العام فإن القرطبي - رحمه الله - يذكر عددًا من المخصِّصَات للعموم، فمن ذلك التخصيص بعُرف الشرع حيث قال في المسألة الأولى من آية الغنائم: (( واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى:(غَنِمْتُم مِن شيءٍ) مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه؛ ولكنّ عُرْف الشرعِ قيّد اللفظ بهذا النوع، وسمى الشرعُ الواصلَ من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة وفيئا، فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، والفيء مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف )) [1]

ومن ذلك اعتباره للتخصيص بالإجماع حيث قال في المسألة الثالثة من آية الغنائم: (( لم يختلف العلماء أن قوله:(واعْلَموا أنمّا غَنِمْتُم مِن شيء) ليس على عمومه، وأنه يدخله الخصوص، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا: سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام )) [2]

وقد ذكر عن أبي العباس بن سريج من أصحاب الشافعي قوله: (( ليس الحديث(من قتل قتيلا فله سلبه) على عمومه، لإجماع العلماء على أنّ من قتل أسيرًا أو امرأة أو شيخًا أنه ليس له سلب واحد منهم )) [3] وهذا مثال على تخصيص السنة بالإجماع.

إن مما يُميّز منهج القرطبي - رحمه الله - في تفسير آيات الأحكام اهتمامه بالجانب الحديثي في المسائل إذا كان الدليل على المسألة حديثًا، فهو يجمع بين الفقه والحديث، وهذه ميزة مهمة؛ لأنّ بعض الفقهاء لا يلتفت إلى التحقق من صحة

(1) انظر: 8/ 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت