وليت الغرب اكتفى بالبلاد والعباد عقب انحلال عقد الخلافة، ولكنه طمع في تغيير دينهم كما بينا وكما تشهد به خطط التبشير الماضية قدما في أنحاء البلاد الإسلامية).1
ولكن ربما وجدنا العزاء في بقاء الحق وأهله مهما حدث، ولعل بعض أهل الغرب ممن ينصت لصوت العقل والضمير يلفت أنظار أهله لهذه الحقيقة، لأنه منذ الحرب العالمية الأولى بصفة خاصة وسقوط الخلافة الإسلامية في شكلها الأخير، اعتقد بعض الأوربيين (أن سياج الإسلام قد انحرق بتمامه ولم يبق مانع من مد اليد إلى دين المسلمين كما امتدت إلى دنياهم. وهذا خطأ عظيم أساسه جهل الأوربي بحقائق أحوال العالم الإسلامي مهما زعم أنه مطلع عليها ) ) .2 > الخلافة العثمانية ليست استعماران
يتوهم الكثيرون بسبب النزعة القومية والوطنية، والاقتصار في الحكم على الدولة العثمانية في عصور انحطاطها والمظهر اللامع للتطبيق الديمقراطي في شعوب أوروبا وأمريكا - القاصرة عليها وحدها دون شعوب العالم الثالث التابعة لها سياسيا واقتصاديا - يتوهمون بسبب كل هذا أن خلافة العثمانيين تقترن بالاستعمار الغربي بآثامه ومآسيه و فظائعه وأهواله التي مازلنا نعاني من آثاره الظاهرة والخفية.
إن عواطف التأثر بأزمنة الضعف والانحلال الأخيرة التي عانت الشعوب الإسلامية خلالها فعلا كثيرا من المظالم والآلام، هذه العواطف تقودنا إلى الوقوع في الكثير من الأخطاء، بينما الحكم على دولة امتد عمرها نحو ستة قرون يقتضي آفاقا أبعد، وتفاصيل أشمل.
يقول الأستاذ عبد الرحمن عزام - أمين الجامعة العربية الأسبق (ولو كان الأمر كما يتصوره الذين ينخدعون بآثار دور الانحطاط من استخدام الطوائف والغيرة بين
(1) وقد أصاب شكيب أرسلان في مقاله عن (التعصب الأوربي أم التعصب الإسلامي؟) حين
قال:(إن الاستبداد المطلق لاسيما في الدين هو منزع أوربي محض ولا يقاس المسلمون
بالأوربيين في هذا الأمر في قليل ولا كثير)حاضر العالم الإسلامي (ج 3 ص 341) .
(2) شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي (ج 3 ص 337) .