الصفحة 204 من 222

الخروج على دين الإسلام أكثر من الخروج على الخلفاء.

تقليد الثورة الفرنسية:

وأما خامسا فلأهم قلدوا فيما افتعلوا بنا الانقلاب الفرنسي الكبير القاضي بتفريق الحكومة عن 1 الكنيسة، يدل عليه تصريحهم بفصل الدنيا عن الدين وأكثر المسلمين وعلمائهم لما لم يعرفوا ذاك الانقلاب ولم يشتغلوا بدراسته لم يشخصوا مغزى الفصل بين الخلافة وبين الحكومة من أول الأمر. وما سبق في تاريخ الخلفاء فهو بمعزل عن مبادئ الانقلابات الزمنية.

أما سادسا فلأن أولئك الملوك كانوا بسبب تلك النيابة خلفاء عن الخلفاء ففيهم السلطة والخلافة معا، وقد تحقق بذلك حقهما من عدم قبولهم الفرقة، وإن

كانت الحلاقة المتصلة بالسلطة هنالك خلافة بالواسطة، بل الخلافة انتقلت بالفعل إلى من تعهد أن يفعل فعل الخلفاء من إقامة الأحكام الشرعية، ومما بقي في الخلفاء فعبارة عن الاسم البحت، إذ لا تنفك الخلافة عن الفعل وماهيتها المتضائفة التي بمعنى النيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيما فعله لمصالح أمته تأبى الانفكاك عن الفعل الذي تحصل به النيابة، ولذا قال الله تعالى: (يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ:26) .سورة ص

(1) ينبه الشيخ مصطفى صيري إلى خطأ المقارنة بما حدث عقب الثورة الفرنسية لملابساها

الخاصة، فقد كان الصراع في أوربا ضد الكنيسة للتخلص من نفوذها على الملوك والأمراء والعلماء وقتذاك مثل إذلال البابا جريجوري السابع للإمبراطور هنري الرابع لاختلافهما على حق تعيين الأساقفة على إقطاعياتهم، فأعلن حرمانه فاضطر الإمبراطور إلى الانتظار ثلاثة أيام مندثرا بالخيش وهو حافي القدمين وسط الثلج في فناء قلعة تائبة .. وكان التعذيب في محاكم التفتيش لكثير من رواد علم الطبيعة وعلم الكيمياء وعلم الفلك بتهمة الخروج على تعاليم الدين أو ممارسة السحر الأسود. فظهرت الكنيسة بذلك سدا بين أوربا والتقدم، وظهر العلماء مظهر الاستشهاد في الدفاع عن مبادئهم وآرائهم حتى الموت، أتاح الفرصة لدعاة التحرر الفكري، فهدموا الكنيسة وهدموا معها الدين، فتحقق فصل السلطة الدينية، وانكمش نفوذ البابا فلم يعد يجاوز طقوس التعميد و الصلاة والزواج والجنائز، أصبحت شئون الدولة وتدبير نظام المجتمع في يد رجال السياسة. د. محمد حسين: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر(جص 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت