ولأعوانه استهانتهم لمقام الخلافة مع أنه لا يرى فرقا بينه وبين رجل من آل عثمان في أوصاف الخلافة، وجودا وعدما، سيما بعد إفساد سمعتهم عند المسلمين بأنواع الدعاية (بور بغنده) وقبائح السعاية. لكن الكماليين نقلوا ما أحبوه من السلطة إلى من أحبوه، وتركوا ما كرهوه من الخلافة فيمن كرهوه، نعم إنهم لم يلغوها دفعة تحرزا عن إنكار عالم الإسلام في الخارج وتمشيا على قاعدة التدريج، ولئلا يستفيد منها حكومة من الحكومات الإسلامية مع كوها مما يكرهوها لحكومتهم
وأما ثانيا فلأن هؤلاء الملوك الماضين كانوا يحتاجون إلى تقلد النيابة والوكالة عن الخلفاء رسما و صراحة بحيث لا تعد حكوماتهم صحيحة ولا مشروعة بدون تلك النيابة والوكالة وكأهم منصوبون من قبل الخلفاء. ولا وكالة فيما نحن فيه ولا نصب، بل الخليفة عبد المجيد منصوب مصطفي کمال بالعكس، ونحن نقدر على إبراز كثير من السجلات التاريخية الناطقة لتلك النيابة والوكالة، ولا يقدر من ناظرنا على إبراز وثيقة رسمية مكتوبة موقعة من طرف الخليفة لوكالة مصطفي کمال والمجلس الوطني و نيابته عنه، كما أنا غير خائفين من احتمال تكذيبهم إيانا بتدارك تلك الوثيقة بعد ما سمعوا منا هذه الكلمات بناء على ما سنذكره في الوجه الثالث.
وأما الثالث فلأن وكالة الإجراء في عهد الخلفاء المستضعفين كانت تحال إلى الملوك والأمراء حال کوها وكالة إجراء الأحكام الشرعية كما هو المنصوص في السجلات التاريخية لتلك الوكالات وكيف يقاس على ذلك انتزاع الحكومة الكمالية من الخلافة لكيلا تتقيد بالديانة، أي: لكيلا جري الأحكام الشرعية.: وأما رابعا فلأن ما مضى في تلك الأدوار من اقتراق السلطة عن الخلفاء کان وقوعه طيلة التاريخ على وجه التغلب العادي إلعاري عن قصد تفكيك الدنيا عن الدين وإلغاء ما له عليها من الحكم والنفوذ كما وقع تفكيك الدنيا عن الدين وإلغاء ما له عليها من الحكم والنفوذ كما وقع اليوم بذلك القصد الخبيث الذي يرمي إلى
وقوانينها يجب أن تستبدل بها محاكم وقوانين عصرية، ومدارس رجال الدين يجب أن تخلي مكافا لمدارس حكومية غير دينية). أرمسترونج، مصطفي کمال (الذئب الأغبر) . (ص 209، 210) .