ثبت في الاحتفاظ بحقوقها ولم يتنازل عنها إلى أن أيقن الخطر على نفسه فيرح عرشه وقصره وبلده الذي ولد فيه ورضي أن يحرم نفسه حظوظها ولم يرض أن يحرم الخلافة حقوقها، بخلاف عبد الحميد، فإنه صالح الكماليين على تعطيل الخلافة لينالها فكان كالقابض على الماء لم يحصل على غير البلل، وسار مثلا في إضاعة كرامة الخلافة بل إضاعتها بارومتها، فلقد سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. و جهاد السلطان وحيد الدين ضد مبدأ الكماليين في تحريد الخلافة عن السلطة وعدم استسلامه إليهم محمود جدا وبالغ إلى الغاية من الإحسان، وهو غني عن البراءة والاعتذار من جهة معاداته الكماليين والاتحاديين، وإنما احتياجة إلى ذلك من جهة أنه لم يراع معاداهم حق رعايتها متوجها إليها بكله متحاملا عليها بكلكله، فعاملهم معاملة من المم يستكمل سوء ظنه بهم وأبقى لاحتمال مجيء الخير منهم بابا مفتوحا، فتركهم مسلطين على عباد الله المسلمين فوق تسلطهم على غيرهم وأفات فرصة إنقاذ البلاد والعباد من شرورهم وفتنهم مع كون تلك الفرصة ثمينة جدا لا يجود الزمان يمثلها ولا نتمنى أن يجود به، مندمجة في ضمن مغلوبيتنا العظيمة في الحرب الكبرى اندماج اليسر في العسر اللذين جعلهما الله تعالى بلطفه قرينين، وجعل عظم أحدهما على قدر عظم الآخر. وللإنسان في ديارنا ألوان: فمن ظلوم منهوم لا يشبع من الدماء التي سفكها، ومن حليم يتجنب قتال القاتلين الظالمين حين ما ظفر عليهم مخافة أن يتشبه بهم، ثم ينهض الظالمون فيستمرون في جناياقم ويسفكون من دماء المظلومين أضعاف ما اجتنب من دماء الظالمين ويتكرر الحال على الفريقين أي: بدار الجدال بينهما مثل السجال، وفي نتيجة كل دور يزداد الظالمون قوة وغيرهم ضعفاء، لما بينهما من فرق السيرة. فإذا كان من لا يظلم الناس يظلم فما ظنك بمن يرحم من لا يرحم، ولقد أحسن القاتل:
إن الذين نسوا برامة عهدنا سعدوا وأوفانا به أشقانا وذنوب السلطان وحيد الدين في مساحة الكماليين مما لا تعفوها له أرواح مظلوميهم فلئن عفت فيوشك أن لا تعفوها له روح الإسلام التي بغوا عليها، وقد رام المسكين من فرط حسن نيته أن يحيط بكلا طريقي السياسة وبمكر الإنجليز فجرى معهم بالسلم والاعتدال وبعث مصطفي کمال حتى يعد في الأناضول قوة تقاومهم على اقتراحاتهم، فإن نجح طريق السلم فهو طريقه وإن نجح طريق المقاومة فهي طريقة من بعثه وواضعه في ذلك وناجاه، فعاقبه الإنجليز وعارضوه في أمر المكر، فطلب عزل مصطفي کمال من وظيفته واستعاده من الأناضول، وإنحليز يومئذ محتل الآستانة عاصمة بلادنا بطر بباكورة ظفره علينا في