الصفحة 194 من 222

أقول: نعم، لأهم نقلوا الحكومة النافذة إلى مجلسهم الذي سموه محلا وطنيا وأختار وها لأنفسهم وتركوا الشريعة الإسلامية مع الخلافة في الخليفة مجردة عن النفوذ الذي ذهبت مع الحكومة إلى ما ذهبت إليه لأن النفوذ يدور مع الحكومة والسلطة. فإن لم يتركوا الشريعة في الخلافة ونقلوها أيضا من الحكومة كيلا تحرم نفوذها لزم ما قلناه آنفا من تفرغ الخليفة من الدنيا والدين معا. والحاصل أن تجريد كل من الخلافة والحكومة عن الأخرى أفسدها جميعا: أما الخلافة فلأها في اللغة عبارة عن النيابة، وفي العرف معنى النيابة عن حكومة رسول الله في أمته. فإذا جردت عن الحكومة أي عما تكون النيابة فيه تذهب الخلافة والنيابة في القضاء ولا يبقى معين هما، مثل بقاء الصفة بلا موصوف و العرض بلا محل يقوم به، أو مثل تجرد النوع عن جنسه الذي تتكون ماهيته به لأن الخلافة نوع من أنواع الحكومة، كما أن المشروطية والمطلقية من أنواعها، فكما لا تتصور المشروطية أو المطلقية محردتين عن الحكومة فكذلك لا تتصور الخلافة بعد تجردها عنها. وأما فساد الحكومة فلأها عند گوها مقترنة بالخلافة كانت حكومة مقيدة بالديانة الإسلامية، إذ لا معنى لكون الحكومة حائزة للخلافة إلا كونها نائبة عن حكومة الرسول صلى الله عليه وسلم ومقيدة بأحكام

السطوة الإسلام في النفوس، اضطروا للتمهيد لمشروعهم بفصل الدين عن الدولة فأعلنوا التزامهم بالشريعة أولا حتى تتهيأ الظروف للضربة الأخيرة وقد فعلوها في النهاية. يقول الشيخ محمد الغزال في كتابه (ظلام من الغرب) :

إن الجيش التركي الذي طوح الغزاة في البحر، كانت مشاعر الإسلام وحدها هي التي تعمل في نفوسه وصفوفه، وإن مصطفي کمال أرسله السلطان - كان مشاورا له ليقود المجاهدين في الأناضول وإن الإمداد والأعوان و آمال المسلمين في كل مكان كانت تلتقي في هذا الميدان الحاسم، حتى إن العوام في شوارع القاهرة كانوا يسيرون في مظاهرات تردد نشيدا شعبيا مطلعه):

افضي يا مصر کي تحمي الهلال لي نداء المصطفى الغازي كمال فلما انتظم الأمر له، قلب ظهر المحن وأرى الأتراك و المسلمين وجها لم يعرفوه من قبل، وسار في أمته سيرة لم تربح إلى اليوم شيئا يذكر. (ص 93، 94) دار الكتب الحديثة - القاهرة).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت