عجيبة كادت توئسنا اجتناء النصر، وتجعليني كالمستجير بعمرو، فرأيت علماء الدين وحلماء بلادهم يخافون أن يجهروا ببعض الحق لا خوفا من سلطان جائر أو حكومة قاتلة وشائقة، بل إحجامة منهم أمام الجريان الفكري الذي حصل في العامة، وقد نصحني كثير بإخفاء ما أدين به من بغضاء الكماليين)، 1 أعداء دين الإسلام الذين يحاربون أحكامه ويجتهدون في إبعاده عن ساحتهم، أرادوا بنصحهم ذاك صيانتي عن الأذى، وما دروا أني لو أسكتني مثل ذلك السبب عن الحق فلماذا وقع هذا الاغتراب من أوطاننا والاضطراب في حياتنا ومعيشتنا وكيف يجوز لنا إهدار الشدائد التي مضت علينا في هذه السبيل بما نرضاه من وضع سلاحنا في آخر الأمر والعمر لأسباب اقتحمتنا ما هو أعظم منها وأكثر؟ (2) . وهل وظائف العلماء والعقلاء مماشاة الجهال في مذاهبهم وعقائدهم، أو إرشادهم إلى ما لا يهتدون له بأنفسهم، ويا للأسف إن كان يأتيني الأذي من المسلمين عند ما أجاهر بالسعي لدفع الأذى عن الدين، إذن فالحياة ذميمة والداء عياء حيث إن الطبيب يتبع سقيمه، ولا يبلغ من الدين الإسلامي أعداؤه القديمة الظاهرة ما يبلغ منه أعداؤه السرية الجديدة وأصدقاؤه الحمقاء أو الجبناء
ولو كنت مذ بانوا سهرت لساهر هان ولكني سهرت لنائم
وقد قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم «إذا رأيت أمتي قاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم فقد تودع منهم )) 3. وقال صلى الله عليه وسلم: «الظالم أن تقول له إنك ظالم تودع منهم).
خدعهم في البداية واستخدمهم لتحقيق مآربه!
(1) الكماليون هم أتباع مصطفى كمال أتاتورك والداعون بدعوته، وقد ثبت فعلا للمتابع
للأحداث حينذاك أنهم أعداء الإسلام والمسلمين، فلا يحسبن القارئ أنه مجرد اتمام بلا دليل
(2) في مثل هذه الظروف ناضل الشيخ مصطفي صبري وكان من القلة بين علماء عصره (وأشهرهم معه الشيخ سعيد النورسي) حيث فهم حقيقة ما دار في تركيا حينذاك، بينما
دع الكثيرون بدعايات أتاتورك، بل لا تزال الخدعة تحيا في عقول الكثيرين إلى يوما هذا، ولعلنا نسهم بإخراج هذا الكتاب في تصحيح المفاهيم بعد تقديم البراهين والأدلة على صحة
آراء المؤلف وصحة توقعاته التي حذر بها العالم الإسلامي.
(3) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم والبيهقي في