وقد ذكر أبو حَيَّان في تفسيره عن الليث، أنه قال: تبرجَّتْ المرأة أبدَتْ محاسنَها من وجههِا وجَسَدِها ويُرَى مع ذلك مِن عينها حُسْنُ نظر.
وعن مُقاتِل أنه قال: تُلقِي الخِمارَ على وجههِا ولا تَشُدُّه. وعن المبرِّد أنه قال: تُبدِي من محاسِنِها ما يجبُ عليها سَتْرُه.
قلتُ: والوَجْهُ هو مَجْمَعُ المحاسِن، والفِتنةُ إنما تكون بالنظر إليه لا إلى الحِلية والثياب، وما كان ظهورُه سببًا للفِتنة فسَتْرُه واجبٌ لا مستحب.
وأيضًا فإنَّ سُفورَ النساء من أعظم أسباب التهتك والاستهتار، وخَلْعِ جلباب الحياء والتعري عند الرجال الأجانب، كما هو معلوم من حال المتشبِّهات بنساء الإفرنج في كثير من البلاد الإسلامية. فإنَّ أوَّلَ ما ابتدَأْنَ به من التقاليد الإفرنجية هو السُّفور عند الرجال الأجانب، وكان ذلك ذريعةً إلى ما هُنَّ عليه الآن، من كشفِ الرؤوس والرقابِ والصدوِر والأيدي إلى المناكب والأرجلِ إلى الرُّكَب، في الأسواق ومَجامع الرجال، مع تزيين وجوهِهن وأيديهن بأنواع الزينة والأصبغة، وتصنُّعِهن غايةَ التصنع للرجال الأجانب.
وكان ذريعةً أيضًا إلى مخالطةِ الرجال الأجانب، ومُجالستِهم، ومُحادثتِهم، ومضاحكتِهم، والخلوةِ معهم في البيوت والمتنزهات وغيرها، والسَّفَرِ معهم بدون مَحْرم.
وما كان ذريعةً إلى هذه الخصال الذميمة، أو إلى خَصلةٍ منها فالمنعُ منه متعين، وعلى هذا فسَتْرُ المرأة لوجهها عن الرجال الأجانب واجبٌ لا مستحب.
وبالجملة: فالأمرُ بالحجاب من مَحاسن هذه الشريعة، لما يتَرتَّب عليه من الصيانة والعفاف، والبُعد عن الأدناس والرذائلِ التي تَفعلُها السافراتُ المتبرِّجات.
وفي حديثِ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لفاطمة رضي الله عنها: ما خَيْرٌ للنساء؟ قالت: أنْ لا يَرَيْنَ الرجالَ ولا يَرَوْنَهُنَّ، فذكَرَه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنما فاطمة بَضْعَةٌ مني» رواه أبو نعيم في الحلية.
ويشهد لهذا الأثر قولُ الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} . قال ابنُ كثير: أي الزَمْنَ بُيوتَكنَّ، فلا تَخْرُجْنَ لغير حاجة. ثم ذكَرَ ما رواه البزَّار عن أنس رضي الله عنه قال: جئنَ النساءُ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلن يا رسول الله ذَهبَ الرجالُ بالفضل والجهادِ في سبيل الله تعالى، فما لنا عمَلٌ نُدرِكُ به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من قعَدَتْ - أو كلمةً نحوَها - منكن في بيتِها، فإنها تُدرِك عمَلَ المجاهدين في سبيل الله تعالى» .