فصل
ومما ينبغي التنبيه عليه ها هنا أنه يجوز لمن أراد التزوُّجَ بامرأة أن ينظر إلى وجهها ورقبتها وأطراف يديها ورجليها، لحديث سَهْل بن سعد رضي الله عنه في قصة المرأة التي وهَبَتْ نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصَعَّد النظر إليها وصَوَّبه» . رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي.
وفي المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطَبَ رجل امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل نظرتَ إليها» ؟ قال لا، فأمره أن يَنظر إليها. هذا لفظ النسائي.
وفي المسند والسنن إلا أبا داود عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرتُ له امرأةً أخطُبُها، فقال: «اذهَبْ فانظُر إليها، فإنه أحْرَى أن يُؤدَم بينكما» . هذا لفظ ابن ماجه، وعنده فيه قصة سيأتي ذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن حِبَّان. قال الترمذي: وفي الباب عن محمد بن مَسْلمة، وجابر، وأنس، وأبي حُمَيد، وأبي هريرة رضي الله عنهم.
قال: وقد ذَهبَ بعضُ أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن يَنظر إليها ما لم يَر منها مُحرَّمًا، وهو قول أحمد وإسحاق، ومعنى قوله «أحْرَى أن يُؤدمَ بينكما» . قال: أحرى أن تَدومَ المودَّةُ بينكما.
قلت: أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي أشار إليه الترمذي فهو ما ذكرته آنفًا.
وأما حديث محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه، ففي المسند وسنن ابن ماجه عنه رضي الله عنه قال: خطبتُ امرأة فجعلتُ أتخبَّأُ لها حتى نظرتُ إليها في نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحبُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ألقى الله في قلب امرئ خِطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها» . هذا لفظ ابن ماجه وصحَّحه ابن حبان.
وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث محمد بن سهل عن أبيه، قال: رأيت محمد بن مَسْلمة يُطالِعُ امرأةً من فوق إجَّار يَنظر إليها [1] ، فقلت له: أتفعل هذا وأنت من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
(1) قال الجوهري وتبعه ابن منظور في لسان العرب: الإجار السطح بلغة أهل الشام والحجاز، وقال ابن الأثير، الإجار بالكسر والتشديد السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب.