الصفحة 62 من 104

عباس رضي الله عنهما، كما ورد ذلك من طرق صحيحة رواها الإمام أحمد والشيخان وأهل السنن.

وعلى تقدير أنَّ الفضْلَ قد رأى وجُهَ الخثعميَّة، فيحتمل أنه قد انكشَفَ بغير قصد منها، فرآه الفضلُ وحدَه.

يوضح ذلك الوجه الثالث، وهو أنَّ الذين شاهَدُوا قصة الفَضْل والخثعمية، لم يَذكروا حُسنَ المرأة ووَضاءتَها، ولم يذكروا أنها كانت كاشفةً عن وجهها، فدل هذا على أنها كانت مستترةً عنهم.

ففي المسند وجامع الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعَرَفة - فذكَرَ الحديث بطوله وفيه - وأردَفَ الفضلَ. ثم أتَى الجمرةَ فرماها، ثم أتى المَنْحَرَ فقال: «هذا المَنْحَر، ومِنىً كُلُّها مَنْحَر» ، واستَفْتَه جاريةٌ شابَّة من خَثْعَم، فقالت: إنَّ أبي شيخ كبير قد أدركَتْه فريضةُ الله في الحج، أفيُجزي أن أحجَّ عنه؟ قال: «حُجِّي عن أبيك» ، قال: ولوَىَ عُنُقَ الفضل، فقال العباس: يا رسول الله لِمَ لَوَيْتَ عُنقَ ابنِ عَمِّك؟ قال: «رأيتُ شابًَّا وشابّة فلم آمنْ الشيطانَ عليهما» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه والدارِمي، عن جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل، في صِفَة حَجَّة النبي - صلى الله عليه وسلم: فدَفَعَ - يعني من مُزْدَلِفَة - قبل أن تَطلُعَ الشمس، وأردَفَ الفضلَ بن عباس رضي الله عنهما، وكان رجلًا حَسَنَ الشَّعْر، أبيَضَ وَسِيمًا، فلما دفَعَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجرِينَ، فطفِقَ الفضلُ يَنظرُ إليهن، فوَضعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ على وجه الفضل، فحوَّل الفضلُ وجهه إلى الشِّقِّ الآخر ينظر، فحوَّلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَه من الشِّق الآخَرِ على وجه الفضل، فصَرَف وجهَه من الشق الآخر ينظر، حتى أتى بطن مُحسِّر، وذَكَر تمام الحديث.

وفي تعليله - صلى الله عليه وسلم - خوفَ الفتنةِ على الفضل بشبابِ المرأة: إشعارٌ بأنها لم تَكشِف وجهَها بمرأى من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يَرَ ما ذُكِرَ عنها من الحُسْن، وإلا فالحُسْنُ أدعَى إلى الفتنة من الشباب، والتعليل به أقوى من التعليل بالشباب، ولمَّا لم يعلِّل النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، دلَّ على أنها كانت ساترةً لوجهها، والله أعلم.

فصل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت