وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه «المسائل الكافيَّة في بيان وجوب صدقِ خبِر رَبِّ البريَّة» ما نصه:
المسألة التاسعة والثلاثون: كثير من النساء يَتساهلن مع الأجير والنصراني واليهودي، فلا يَحتجبن ممن ذُكِر!
وذلك ناشئ عن أحد أمرين: إما جهلُهن بالحكم الشرعي، وهو عَدَمُ الفرق بين الأجير وغيره وبين المسلم، وإما لقلة دينهن، وكذا يتساهلن ولا يستترن من الرجل الأعمى، والشرعُ لم يفرق بين البصير والأعمى؛ وقد رَوَتْ أمّ سلمة قالت: كنت أنا وميمونة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذن ابنُ أمّ مكتوم، فقال لنا: احتَجِبا منه، فقلنا: أوليس أعمى؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أفعَمْيَاوَانِ أنتما؟» .
فصل
وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية التستر للنساء في جميع أبدانهن، إذا كن بحضرة الرجال الأجانب.
فأما الأدلة من كتاب الله تعالى ففي ثلاث آيات منه:
الآية الأولى: قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} الآية [1] .
قال ابن مسعود رضي الله عنه. {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} قال: لا خَلْخَال ولا شَنْف ولا قُرْط ولا قِلادة [2] ، {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، قال: الثياب. رواه أبو بكر بن أبي شيبة والحاكم من طريقه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: أي لا يُظهِرْنَ شيئًا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود رضي الله عنه: كالرِداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المِقْنَعة التي تُجلِّلُ ثيابَها [3] ، وما يبدو من أسافل الثياب فلا حَرَجَ عليها فيه، لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه، ونظيره في زِي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه.
(1) من سورة النور: 31.
(2) الخلخال: سوار من الحلي تجعله المرأة في ساقها. والشنف: ما تعلقه من الحلي في أعلى الأذن، والقُرْط: ما تعلقه في أسفل الأذن. والقلادة: ما أحاط بالعنق من الحلي.
(3) المقِنعة ما تغطي به المرأة رأسها ومحاسنها. كما في القاموس وشرحه.