الصفحة 26 من 104

وعلى هذا أجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها بجوابين، وأقواهما أنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم؛ وإنما نظرت لَعِبَهم وحِرابَهم، ولا يلزم من ذلك تعمُّدُ النظر إلى البدن، وإن وقَعَ النظرُ بلا قصد صَرَفَتْهُ في الحال.

والثاني لعلَّ هذا كان قبل نزول الآية في تحريم النظر، وأنها كانت صغيرة قبل بلوغها، فلم تكن مكلَّفة على قول من يقول: إنَّ للصغير المراهق النظر؛ والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.

ولا مَزِيد عليه، وقد وَهِمَ في قوله: إنَّ أم حَبِيبة هي التي كانت مع أم سَلَمة رضي الله عنها، عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دخل عليه ابنُ أمّ مكتوم؛ والصواب أنها ميمونة كما تقدم في حديث أم سَلَمة قريبًا في أول هذا الفصل، ولعل ما هنا سَبْقَةُ قَلَم منه أو من بعض النساخ، والله أعلم.

وأما حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، فقال النووي في الكلام عليه: قد احتَجَّ بعضُ الناس بهذا على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف نظره إليها، وهذا قول ضعيف، بل الصحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماء وأكثَرُ الصحابة: أنه يَحرُمُ على المرأة النظرُ إلى الأجنبي، كما يَحرم النظر إليها، لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} . ولأن الفتنة مشتركة، وكما يُخافُ الافتتانَ بها تَخافُ الافتتانَ به.

ويدل عليه من السنة حديثُ نَبْهان مولى أمّ سَلَمة، عن أم سلمة رضي الله عنها، أنها كانت هي وميمونة عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخل ابنُ أمّ مكتوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «احتَجِبا منه» ، فقالتا: إنه أعمى لا يُبصِر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أفعَمْيَاوَانِ أنتما فليس تُبصرانِه» . وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن. ولا يُلتفَتُ إلى قَدْحِ من قدَحَ فيه بغير حجة معتمدة.

وأما حديث فاطمة بنت قيس مع ابن أمّ مكتوم [1] ، فليس فيه إذْنٌ لها في النظر إليه، بل فيه أنها تأمن عنده مِن نظرِ غيرهِ، وأمَرَها بالانتقال إلى بيت ابن أمّ مكتوم، لأنه لا يُبصرها، ولا يَترَدَّدُ إلى بيته من يتردد إلى بيت أم شَرِيك، حتى إذا وضعت ثيابها للتبرز نظروا إليها. وهي مأمورة بغض بصرها، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة، بخلاف مُكثها في بيت أم شَرِيك. انتهى.

وقال أيضًا: وأما نَظَرُ الرجل إلى المرأة فحرامٌ في كل شيء من بدنَها، فكذلك يَحرم عليها النظرُ إلى كل شيء من بدنه، سواء كان نظرهُ ونظرُها بشهوة أم بغيرها، وقال بعض أصحابنا: لا يَحرم نظرُها إلى وجه الرجل بغير شهوة، وليس هذا القول بشيء، انتهى.

(1) انظر نصه بكامله في ص 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت