الصفحة 25 من 104

وكما أنَّ الرجال مأمورون بغض الطَّرْف عن الأجنبيات من النساء، وعن المُرْدانِ الحِسان خشيةَ الافتتان بهم، فكذلك النساءُ مأموراتٌ بغض الطَّرْف عن الرجال الأجانب خشيةَ الافتتان بهم.

والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} .

وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي: عن أُمّ سَلَمة رضي الله عنها قالت: كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندَه ميمونة، فأقبل ابنُ أمّ مكتوم وذلك بعد أن أُمِرنا بالحجاب، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «احتَجبا مَنه» ، فقلنا: يا رسول الله: أليس أعمى لا يُبصرُنا ولا يَعرفنا؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أفَعمْيَاوَانِ أنتما؟ ألستما تُبْصِرانه؟» . قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحافظ ابن حجر: إسنادُه قوي، ورَدَّ هو والنووي على من تكلَّم فيه بغير حجة.

ثم إنَّ نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي لا يخلو من أن يكون بشهوة، أو بغير شهوة، فالمقترن بالشهوة حرام بالاتفاق، حكاه النووي رحمه الله تعالى كما سيأتي في كلامه قريبًا بعد أسطر.

وأمَّا الخالي من الشهوة ففيه قولان للعلماء: أصحهما التحريم للآية التي ذَكَرْنا ولحديثِ أم سلمة رضي الله عنها الذي ذكرناه.

واحتَجَّ من ذَهبَ إلى الجواز بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسترني برِدائه، وأنا أنظر إلى الحبشة يَلْعَبون في المسجد» . متفق عليه.

واحتَجُّوا أيضًا بما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: اعتَدِّي في بيتِ ابنِ أمّ مكتوم، فإنه رَجَلٌ أعمى تَضَعِين ثيابَك عنده». الحديث.

وقد أجاب النووي عن هذين الحديثين بجواب حسن، فأما حديث عائشة رضي الله عنها فقال في الكلام عليه: فيه جوازُ نظر النساء إلى لَعِب الرجال من غير نظر إلى نفس البَدَن، وأما نظرُ المرأة إلى وجه الرجل الأجنبي، فإن كان بشهوة فحرام بالاتفاق، وإن كان بغير شهوةٍ ولا مخافةِ فتنةٍ ففي جوازه وجهانِ لأصحابنا، أصحُّهما تحريُمه لقوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ سَلَمة وأمّ حَبِيبة: «احتَجِبا عنه» أي عن ابن أمّ مكتوم، فقالتا: إنه أعمى لا يُبصرنا، فقال: - صلى الله عليه وسلم - «أفَعَمْيَاوَانِ أنتما؟ ألستما تُبصِرانه؟» . وهو حديث حسن، رواه الترمذي وغيره وقال: هو حديث حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت