قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذَّة، وله أن يردِّد النظر إليها ويتأمَّلَ مَحاسَنها، لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك، انتهى كلامه ملخصًا.
وقيَّد الحَجَّاوي والفُتُوحي وغيرهما جوازَ النظر بما إذا غلَبَ على ظنه إجابتُه. قال الجِرَاعيُّ: ومتى غَلَبَ على ظنه عدمُ إجابته لم يجز، كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها، مع علمه أنه لا يجاب إلى ذلك، انتهى.
وكما أن الأحاديث التي ذُكِرَتْ آنفًا قد دَلَّتْ بمنطوقها على جواز نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، فكذلك هي دالَّةٌ بمفهومها على أنه لا يجوز النظرُ إلى غيرها من سائر الأجنبيات.
ويوضح ذلك قولُه في حديث أبي حُمَيد رضي الله عنه: إذا كان إنما ينظر إليها لِخطبة، فدل على أنه لا يجوز النظرُ إلى الأجنبية لغير خاطب.
وأيضًا فوَضْعُ البَأْس والجُنَاح عن الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته يدل على أنه لا يجوز النظرُ لغير خاطب، وأن عليه في نظره إلى الأجنبية بْأسًا وجُنَاحًا، والله أعلم.
وقد ورد الترغيبُ في غض البصر، والترهيبُ من إطلاق النظر فيما لا يجوز النظر إليه.
فصل
فأما الترغيب في غض البصر عن المحرَّم فقد قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} .
قال أبو حيان في تفسيره: قَدَّم غضَّ البصر على حفظ الفروج، لأن النظر بَرِيدُ الزنا ورائدُ الفجور، والبَلْوَى فيه أشد وأكثر، لا يكاد يُقْدَرُ على الاحتراز منه، وهو الباب الأكبر إلى القلب وأعمَرُ طُرُق الحواسِّ إليه، ويَكثر السقوطُ من جهته.
وقال بعض الأدباء:
وما الحُبُّ إلا نظرةٌ إثْرَ نظرةٍ ... يَزيدُ نُمُوًّا إنْ تَزِدْهُ لَجَاجا
ثم ذَكَر حكمَ المؤمنات في تساويهن مع الرجال في الغضّ من الأبصار وفي الحفظ للفروج. انتهى.
وقولهُ: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} قال البغوي: يعني خيرٌ لهم وأطهر.