الصفحة 61 من 104

وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فرواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطَبَ الناسَ فوعظهم، ثم قال: «يا معشر النساء تَصدَّقْنَ، فإنكن أكثَرُ أهل النار» ، فقالت امرأة منهن: ولمَ ذلك يا رسول الله؟ قال: «لكثرة لَعْنِكُنَّ يعني وكُفْرِكُنَّ العَشِير» ، وذكَرَ تمام الحديث بنحو ما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وأما حديث أبي سعيد رضي الله عنه، فأخرجاه في الصحيحين، قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى أو فِطر إلى المصلَّى، فمرَّ على النساء فقال: «يا معشر النساء تَصدَّقْنَ فإني أُريتُكُنَّ أكثَرَ أهل النار» ، فقُلنَ: وبمَ يا رسول الله؟ قال: «تُكثِرنَ اللعن، وتَكفُرنَ العشير» الحديث، وهذا لفظ البخاري.

فهؤلآء خمسة من الصحابة رضي الله عنهم، ذكروا نحوَ ما ذكره جابر رضي الله عنه، من موعظةِ النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء وسؤالهِن له عن السبب في كونهن أكثر أهل النار، ولم يَذكر واحدٌ منهم سُفورًا، لا عن تلك المرأة التي خاطبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن غيرها، وهذا يُقوِّي القولَ بأن جابرًا رضي الله عنه قد انفرد برؤية وجه تلك المرأة. ورؤيتُه لوجهها لا حُجَّة فيه لأهل التبرج والسُّفُور، لأنه لم يَثْبُت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رآها سافرةً بوجهها وأقرَّها على ذلك.

وعلى تقدير أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رآها وأقرَّها على السفور، فذلك محمول على إحدى حالتين؛ إما أن يكون ذلك قبلَ الأمر للنساء أن يَضِربن بخُمُرهن على جُيوبهن، وأن يُدنين عليهن من جلابيبهن، وإمَّا أن تكون تلك المرأة من القواعد اللاتي لا يَرجُونَ نكاحًا، والله أعلم.

3 -وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فالجواب عنه من وجوه:

أحَدُها: أن ابن عباس رضي الله عنهما، لم يُصرِّح في حديثه بأن المرأة كانت سافرةً بوجهها، وأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رآها كذلك وأقرَّها، حتى يَتم الاستدلالُ به على جواز سُفورِ المرأة بوجهها بين الرجال الأجانب.

وغايةُ ما فيه أنه ذكَرَ أن المرأة كانت وَضِيئة، وفي الرواية الأخرى: حسناء، فيحتمل أنه أراد حُسنَ قَوامِها وقَدِّها ووضاءةَ ما ظهَرَ من أطرافها.

الوجه الثاني: أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، لم يكن حاضرًا حين كان أخوه الفضلُ يَنظُرُ إلى الخَثْعَمِيَّة وتَنظرُ إليه، لأنه كان ممن قدَّمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الضَّعَفَة بلَيْلٍ، كما ثَبتَ ذلك عنه في الصحيحين والمسنَد والسُّنَن، وروايتُه للقصة إنما كانت من طريق أخيه الفضل بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت