ويُستفاد من إنكار عُبَيد بن عُمَير على المرأة الجميلة، لمَّا أسفَرَتْ بوجهها عنده، أنَّ التابعين كانوا يَرون أن سفور النساء من المنكرات، والله أعلم.
وأمَّا قولُ الألبانيِّ: فيُستفاد مما ذكرنا، أن سَتْرَ المرأةِ لوجههِا ببُرقع أو نحوِه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات: أمرٌ مشروعٌ محمود، وإن كان لا يجبُ ذلك عليها، بل من فعَلَ فقد أحسَن ومن لا فلا حَرَج.
فجوابُهُ من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن الله تعالى أمَرَ نساءَ المؤمنين أن يُدنِين عليهن من جلابيبهن، وفسَّر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما وغيرُه من السلفِ وأئمةِ الخلف بتغطيةِ الوجوه عن الرجال الأجانب، والأمْرُ ها هنا للوجوب لا للاستحباب.
يُوضِّحُ ذلك الوجه الثاني: وهو أنَّ الله تعالى وضَعَ الجُناحَ عن القواعد في ترك الحجاب، فدلَّ ذلك على أنَّ على غير القواعد جُناحًا في تركه. والجُنَاحُ الإثم. وهذا يدل على أنَّ الحجاب على غير القواعد واجب لا مستحب.
وفي الآية الكريمة رَدٌّ لقول الألبانيِّ: من فعَلَ فقد أحسَن ومن لا فلا حرج. ودلَّ قولُه تعالى: {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} ، على أنَّ الحجاب مستحَب للقواعد، ويجوز لهن تركُه.
الوجه الثالث: أن الله تعالى نَهَى النساءَ عن إبداء زينتهن إلا ما ظَهَر منها، والصحيحُ أنَّ الوجْهَ من جملة الزينة التي نُهيِن عن إبدائها للرجال الأجانب كما تقدم تقريره، وهذا يدل على وجوبِ سَتْر الوجهِ عن الرجال الأجانب وتحريمِ كشفِه عندهم.
الوجه الرابع: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المرأة عورة» . والعورةُ يجب سَتْرُها ولا يجوز كشفُ شيء منها.
الوجه الخامس: ما ذكره ابنُ المنذر من الإجماع على أنَّ على المرأة المُحْرِمة أن تغطِّي رأسَها، وتَستُرَ شعرَها، وتَسدُل الثوبَ على وجهها سدلًا خفيفًا، تَستَتِرُ به عن نظر الرجال الأجانب.
وما ذكره ابن رسلان من اتفاقِ المسلمين على مَنْعِ النساء أن يَخرجن سافراتِ الوجوه، وهذا يقتضي أن ستر المرأة لوجهها عن نظر الرجال الأجانب: واجبٌ لا مستحب.
الوجه السادس: أنَّ السفور نوعٌ من التبرُّج الذي نَهَى الله ورسولُه - صلى الله عليه وسلم - عنه.
والتبرُّجُ هو إظهار المرأةِ زينتَها ومَحاسَنها للرجال الأجانب، قاله غيرُ واحد من المفسرين وأئمة اللغة وغيرهِم، وكان نساء الجاهلية يفعلنَ ذلك، فنَهَى الله عنه.