الموضع الحادي عشر: قال الألباني في الصفحة 26 - 32 ما نصه:
ثم إن كثيرًا من المشايخ اليوم يَذهبون إلى أن وَجْه المرأة عورة لا يجوز لها كشفُه بل يحرم، وفيما تقدم في هذا البحث كفايةٌ في الردِّ عليهم.
ويقابِلُ هؤلآء طائفة أخرى يَرون أن سَتْرَه بدعة وتنطُّعٌ في الدين، كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبَتَ في السنة في بعض البلاد اللُّبنانية.
فإلى هؤلآء الإخوان وغيرِهم نسوق الكلمة التالية:
ليعلم أنَّ سَتْر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهودًا في زمنه - صلى الله عليه وسلم -، كما يشير إليه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا تَنتَقِبْ المرأة المُحْرِمة، ولا تَلْبَسْ القُفَّازين» .
قال شيخُ الإسلامُ ابن تيمية في تفسير سُورة النور: «وهذا مما يدلُ على أنَّ النِّقَاب والقُّفَّازَيْن كانا معروفين في النساء اللاتي لم يُحْرِمن، وذلك يقتضي سَتْرَ وجوهِهن وأيدِيهن» .
والنصوصُ متضافرة على أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - كُنَّ يَحتجبن، حتى في وجوههن، وإليك بعضَ الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول:
الأول: عن عائشة قالت: خرجَتْ سَودةُ بعد ما ضُرِبَ الحجابُ لحاجتها، وكانت امرأةً جَسِيمة لا تَخفى على من يَعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أمَا واللهِ ما تَخفَيْنَ علينا، فانظري كيف تَخرُجِين، قالت: فانكفَأَتْ راجعةً ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وإنه لَيتعشَّى وفي يده عِرْق، فدخلَتْ فقالَتْ: يا رسول الله إني خرجتُ لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا، قالتْ فأوحِى الله إليه ثم رُفِعَ عنه، وإنَّ العِرْقَ في يده ما وضَعَه، فقال: «إنه أُذِنَ لكنَّ أن تَخرجُنَ لحاجَتِكنّ» .
قال الألبانيُّ في الحاشية: أخرَجَه البخاري ومسلم وابن سعد وابن جرير والبيهقي وأحمد. ثم قال الألبانيُّ: وفي الحديث دلالة على أن عمر رضي الله عنه، إنما عرَفَ سَوْدَةَ من جسمِها، فدلَّ على أنها كانت مستورةَ الوجه، وقد ذكرَتْ عائشة أنها كانت رضي الله عنها تُعرَفُ بجسامتها، فلذلك رغِبَ عمر رضي الله عنه أن لا تُعرَفَ حتى مِن شخصِها، وذلك بأن لا تَخرُجَ من بيتها، ولكنَّ الشارعَ الحكيمَ لم يوافِقْه هذه المرة لما في ذلك من الحرج [1] .
الثاني: عنها أيضًا في حديث قصة الإفك، قالت: فبينما أنا جالسةٌ في منزلي غلَبتْنِي عينِي فنِمْتُ، وكان صفوانُ بن المعطِّل السُّلَمي ثم الذَّكْواني من وراء الجيش، فأدَلجَ فأصبح عند منزلي، فرأى سَوادَ إنسان نائم، فأتاني فعَرَفني حين رآني، وكان يَراني قبلَ الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعِه
(1) لا يخفى ما في هذه العبارة من قلة أدب الألباني مع الشارع الحكيم.