فليسَتْ العورةُ في الصلاة مرتبطةً بعورة النظر، لا طَرْدًا ولا عكسًا. إلى أن قال: ولهذا أُمِرَتْ المرأة أن تَختمِرَ في الصلاة، وأما وجهُها ويَدَاها وقَدَماها فهي إنما نُهِيَتْ عن إبداء ذلك للأجانب ولم تُنْهَ عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم، فعُلِم أنه ليس من جنس عورة الرجلِ مع الرجل والمرأةِ مع المرأة التي نُهِيَ عنها، لأجل الحياء وقبحِ كشف العورة. بل هذا من مقدمات الفاحشة.
فكان النهي عن إبدائها نهيًا عن مقدمات الفاحشة، كما قال في الآية: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} . وقال في آية الحجاب: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} . فنُهِيَ عن هذا سَدًّا للذريعة - إلى أن قال -: وكنَّ نساءُ المسلمين يُصلّين في بيوتهن، ولم يُؤمَرْن مع القُمُصِ إلا بالخُمُر، لم تُؤْمَرْ بسَراوِيلَ لأن القَمِيصَ يغني عنه، ولم تُؤْمَرْ بما يُغطِّي رجلَيها لا خُفِّ ولا جَوْرَب، ولا بما يُغَطِّي يدَيْهَا لا بقُفَّازَيْنِ ولا غيرِ ذلك، فدلَّ على أنه لا يجبُ عليها في الصلاة سَتْرُ ذلك إذا لم يكن عندها رجال أجانب، انتهى كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني في سُبُل السَّلام: يُباحُ كشفُ وجهها حيث لم يأتِ دليلٌ بتغطيته، والمرادُ كشفُه عندَ صلاتِها بحيث لا يَراها أجنبي، فهذه عورُتها في الصلاة، وأما عورتُها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة. انتهى.
ويؤيد ما قرَّره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ومحمدُ بن إسماعيل الصنعاني ما تقدم [1] عن عائشة رضي الله عنها أنها ذكرَتْ نساءَ الأنصار وفضْلَهن، وأنهن لما أُنزلَتْ سُورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} . قامَتْ كلُّ امرأة منهن إلى مِرْطِها فاعتَجَرَتْ به، فأصبَحْنَ وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتجِراتٍ كأنَّ على رءوسهن الغِربان. رواه ابن أبي حاتم. وقد تقدم [2] تفسيرُ الاعتجار وأنه لَفُّ الخمار على الرأس مع تغطيةِ الوجه.
الموضع العاشر: قال الألباني في الصفحة 22: وقد أبان الله تعالى عن حِكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} . يعني أنَّ المرأة إذا التَحَفَتْ بالجلباب عُرِفَتْ بأنها من العفائف المحصنات الطيبات، فلا يُؤْذِيهنَّ الفُسَّاقُ بما لا يَليِقُ من الكلام، بخلاف ما لو خرَجَتْ مُتَبَذِّلة غيرَ متسترة، فإن هذا يُطمِعُ الفُسَّاقَ فيها وفي التحرُّشِ بها، كما هو مشاهَد في كل عصر ومصر، فأمَرَ الله تعالى نساءَ المؤمنين جميعًا بالحجاب سَدًا للذريعة. انتهى.
والجوابُ أن يقال: ما صَرَّح به الألبانيُّ في هذا الموضع هو الحقُّ لو أنه ثبَتَ عليه ولم يخالفه!!
(1) في ص 59 - 60.
(2) في ص 60.