وإذا عُلِمَ هذا وعُلِمَ قولُ ابنِ مسعود رضي الله عنه في تفسير الآية من سُورة النور، وما قاله ابنُ عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية من سُورة الأحزاب، تبيَّنَ أنه لا خلاف بينهما في وجوبِ استتار النساء عن الرجال الأجانب.
وتبيَّن أيضًا اتفاقُ الآيتين على المنعِ من السفورِ، وأنه لا متعلَّق في الآية من سُورة النُّور لمن قال بجواز السفور!
الوجه الثالث: أن يقال: قد دَلَّتْ السُّنَّةُ المطهرةُ على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب، وقد تقدَّم ذكرُ الأحاديث في ذلك [1] . وفيها الرَّدُ على الألبانيِّ في قوله: «وقد نَصَّتْ النُّصوصُ الكثيرةُ من السنة على أن الوجه لا يجبُ ستره» !
الوجه الرابع: أن يقال: لم يأتِ في السُّنَّة شيء من النصوص على جواز كشفِ الوجه سوى حديثِ خالد بن دُرَيْك، وقد ذكرنا [2] أنه حديثٌ معلول، لا يجوز الاحتجاجُ به.
الوجه الخامس: قد تقدَّمَ قريبًا [3] ما ذكره ابن المنذر وابن رسلان من الإجماع على استتار النساء عن نظر الرجال الأجانب، وفيه رَدٌّ لما نَسَبه الألبانيُّ! لأكثرِ العلماء من القول بأن الوجه ليس بعورة يجبُ ستره!
الوجه السادس: أن المذهب الذي نسَبَه الألبانيُّ لأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، من كون الوجه ليس بعورة يجب ستره، إنما هو في الصلاة إذا كانت المرأة ليسَتْ بحضرة الرجال الأجانب.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: اختَلَفتْ عبارةُ أصحابنا في وجه الحرة في الصلاة، فقال بعضهم: ليس بعورة، وقال بعضهم: عورة، وإنما رُخِّص في كشفه في الصلاة للحاجة.
والتحقيقُ أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عَورةٌ في باب النظر إذْ لم يَجُز النظرُ إليه.
وقال الشيخ ابن تيمية أيضًا: وبالجملة فقد ثبَتَ بالنص والإجماع أنه ليس عليها في الصلاة أن تلبس الجلبابَ الذي يَسترُها، إذا كانت في بيتها، وإنما ذلك إذا خرجَتْ، وحينئذ فتَصلِّي في بيتها وإن بَدَا وَجْهُها ويداها وقَدَماها، كما كُنَّ يمشِين أولًا قبلَ الأمر بإدناء الجلابيب عليهن.
(1) انظر الحديث الثالث حتى الحديث الحادي والعشرين من ص 77 - 96.
(2) انظر ذلك في ص 114 - 117.
(3) انظر ذلك في ص 155.