الصفحة 8 من 104

وفي المسند وجامع الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: وقَفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعَرَفة، فذكر الحديث، وفيه: واستَفْتَتْه جاريةٌ شابَّةٌ من خَثْعَم، فقالت: إنَّ أبي شيخ كبير قد أدركَتْه فريضةُ الله في الحج، أفيُجزِي أن أَحُجَّ عنه؟ قال حُجِّي عن أبيك. قال: ولَوَى عُنُقَ الفضل، فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله لم لويتَ عُنُقَ ابنِ عمك؟ قال: رأيتُ شابًّا وشابَّةً فلم آمَنْ الشيطانَ عليهما. وذكَرَ تمام الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.

قال النووي في قوله «فلم آمن الشيطان عليهما» : هذا يدل على أن وَضْعَه - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ على وجهِ الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها، انتهى.

وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه عن جابر رضي الله عنه، في حديثه الطويل في صِفَة حجِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فدَفَع قَبْلَ أن تَطلُعَ الشمس، وأردَفَ الفضلَ بن عباس رضي الله عنهما، وكان رجلًا حَسَنَ الشَّعْر أبيضَ وسيمًا، فلما دَفَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّت به ظُعُنٌ يَجرين، فطَفِقَ الفضلُ يَنظُرُ إليهن، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ على وجه الفضل، فَحوَّل الفضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخَر ينظر، فحوَّلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَه من الشِّقِّ الآخَرِ على وجه الفضل، فصَرَفَ وجهَه من الشِّقِّ الآخَر يَنظُر.

قال النووي: فيه الحثُّ على غَضِّ البصر عن الأجنبيات، وغَضِّهنَّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قول: «وكان أبيضَ وسيمًا حَسَنَ الشَّعْر» . يعني أنه بصفة من تُفتتَنُ النساءُ به لحُسنه، انتهى.

الحديث الثاني مما ساقه البخاري رحمه الله تعالى في الباب الذي تقدم ذكره: حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والجلوسَ بالطُّرُقات» ، فقالوا: ما لنا من مَجالسنا بُدٌّ، نتَحدَّثُ فيها، فقال: «إذا أبيتم إلا المجلسَ فأعطوا الطريقَ حقَّه» ، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: «غضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السلام والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر» . وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود.

ولأحمد ومسلم أيضًا عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: كنا قعودًا بالأَفْنِيةِ نَتحدَّث [1] ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام علينا فقال: «ما لكم ولمجَالِس الصُّعُداتِ؟ [2] اجتنبوا مَجالسَ الصُّعُدات» ، فقلنا: إنما قَعَدْنا لغير ما بأسٍ قَعَدْنا نتذاكر ونتحدث، قال: أَمَّا لا، فأدُّوا حَقَّها: غَضَّ البصر، ورَدَّ السلام، وحُسن الكلام».

(1) الأفنية جمع فناء وهو المتسع أمام الدار.

(2) الصعدات هي الأفنية، وهي جمع صُعدة، وهي الساحة أمام باب الدار وممر الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت