الصفحة 75 من 104

وقد يشير إلى ذلك قولُه تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} الآية، فإنها تُشعِرُ بأن في المرأة شيئًا مكشوفًا يمكن النظرُ إليه، فلذلك أمَرَ الله تعالى بغض النظر عنهن، وما ذلك غيرُ الوجه والكفين.

ومثلُها قولُهُ - صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوسَ بالطرقات، فإذا أبيتم إلا الجلوس، فأعطوا الطريقَ حَقَّه، قالوا: وما حَقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: غَضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السلام، والأمْرُ بالمعروف، والنَّهْيُ عن المنكر» . وقولُهُ: «يا عليُّ لا تُتْبِع النَّظْرَةَ النظرةَ، فإنَّ لك الأولى وليسَتْ لك الآخِرة» . وعن جرير بن عبدالله، قال: سألتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأَة، فأمَرَني أن أصِرف بصري. انتهى كلام الألباني.

والجوابُ أن يقال: أما حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما، الذي ذكره الألباني، وفيه أن المرأة لم تكن مختضبة. فليس فيه ما يدل على جوازِ كشفِ المرأة عن وجهها عند الرجال الأجانب بوجه من الوجوه.

وكذلك ما تقدَّم قبلَه من الأحاديث، فليس في شيء منها دليل على جواز كشفِ المرأة وجهَها عند الرجال الأجانب.

وأما قولُ الألباني: على أن قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} يَدلُّ على ما دلَّتْ عليه الأحاديث السابقة، من عدم وجوب سَتْرِ المرأة لوجهها.

فجوابهُ أن يقال: ليس في الآية الكريمة ما يدل على جواز كشف المرأة عن وجهها عند الرجال الأجانب، وإنما فيها الدلالةُ على مشروعية سَتْرِه عنهم، وقد تقدم بيانُ ذلك مع الكلام على هذه الآية، في أول الأدلة على مشروعية استتار النساء عن الرجال الأجانب، فليراجع [1] .

وأما قولُ الألباني: إنَّ الخمار هو ما يُغطَّى به الرأس. فقد تقدم الجواب عنه قريبًا [2] .

وأما قولُ الألباني: فأمَرَ تعالى بَلَيِّ الخمِار على العُنق والصدر، فدَلَّ على وجوب سَتْرِهما، ولم يأمر بلُبسِه على الوَجْه، فدلَّ على أنه ليس بعورة، ولذلك قال ابن حزم في المحلَّى: فأمَرَهن الله تعالى بالضَرْبِ بالخِمار على الجيوب، وهذا نَصٌّ على سَتْر العورة والعنق والصدر، وفيه نَصٌّ على إباحة كشفِ الوجه، لا يُمكِنُ غيرُ ذلك.

فجوابُه أن يقال: قد تقدَّمَ حديثُ عائشة رضي الله عنها [3] ، أنها ذكَرَتْ نساءَ الأنصار وفَضْلَهن، وأنهن لما أُنزلَتْ سُورةُ النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} قامَتْ كلُّ امرأة منهن إلى

(1) انظر ص 53 - 60.

(2) انظر ص 59 - 60 و 142 - 143 و 146.

(3) انظر ص 59 - 60، و 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت