فجوابُه أن يقال: إنَّ الخمار ما غَطَّى الرأس والوجْهَ جميعًا. قالت عائشة رضي الله عنها: يَرحَمُ الله نساءَ المهاجرات الأُوَل، لما أَنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَقْنَ مُروطَهن فاختَمَرْنَ بهِا. رواه البخاري وأبو داود وابن جَرير.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قولُه فاختَمَرْنَ بها أي غَطَّيْنَ وجوهَهُنَّ وصِفَةُ ذلك أن تضعَ الخمارَ على رأسِها، وتَرمِيَهُ من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنُّع، قال الفرَّاء: كانوا في الجاهلية تَسدُل المرأةَ خِمارَها من ورائها، وتكشِفُ ما قُدَّامها، فأُمِرْنَ بالاستتار.
وقال الحافظ أيضًا في تعريف الخَمْر: ومنه خِمارُ المرأةِ لأنه يَستُرُ وجْهَهَا. انتهى.
ورَوى ابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله عنها، أنها ذكرَتْ نساءَ الأنصار وفَضْلَهن، وأنهن لما أُنزلَتْ سُورةُ النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} قامَتْ كلُّ امرأة منهن إلى مِرطها، فاعتَجَرَتْ به، فأصبَحْنَ وراءَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتَجراتٍ، كأنَّ على رؤوسِهن الغِربْان. وقد تقدَّمَ تفسيرُ الاعتجار، وأنه لفُّ الخِمار على الرأسِ مع تغطيةِ الوجه [1] ، وعلى هذا فالاعتجارُ مطابِق للاختمار في المعنى.
وفي رواية لأحمد ومسلم من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَرَها أن تَعتدَّ عند ابن أم مكتوم، وقال: «فإنكِ إذا وضعت خِمارَك لم يَركِ» . فقولُهُ: لم يَرَكِ، ظاهرٌ في إرادة جميع ما يبدو منها، من وجهٍ ورأسٍ ورَقَبةٍ، وهذا يدل على مشروعيةِ استتِار المرأة عن الرجال الأجانب، وتغطية وجهها عنهم.
ولو كان الأمر على ما ذهب إليه الألباني، لقال: فإنك إذا وضعتِ خمارَكِ، لم يَرَ رأسَكِ أو لم يَرَ شَعْرَكِ.
ومن المعلوم عند كل عاقِل، أنَّ الناظر إلى النساء، إنما يَنظر في الغالب إلى وجوهِهن إذا لم تكن مستورة.
والفتنةُ إنما تكون بالنظر إلى الوجوه الحَسَنة، لا بالنظر إلى الرؤوس والشَّعر. والشريعةُ قد جاءت بدَرْءِ المفاسد، والمَنْعِ مما يؤدِّي إلى الفتنة.
وإذا كان النظرُ إلى وجوه النساء أعظمَ فتنةً من النظر إلى رُؤوسهن، فبعيدٌ أن تأتي الشريعة الكاملة بإيجاب سَتْرِ رُؤوسِهن، وإباحةِ كشفِ وُجوهِهِنَّ. فالقولُ بهذا غَلَطٌ محضٌ على الشريعة وقد تقدم من الأحاديث والآثار ما يكفي في رَدّ هذا الغَلَط، فليراَجعْ [2] .
(1) انظر ذلك في ص 60.
(2) انظر الأحاديث - وهي زيادة على عشرين حديثًا - في ص 76 - 100، وانظر الآثار - وهي سبعة - في ص 101 - 107.