الموضع الرابع: ذكر الألباني في الصفحة 11، حديثَ سهل بن سعد رضي الله عنه، في قصة المرأة التي وهَبَتْ نفسَها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم ذكرُه وذكر جملةٍ من الأحاديث الدالة على جواز النظر إلى وجه المخطوبة بإِذنها وغير إذنها [1] ؛ وليس فيها ولا في غيرها من الأحاديث التي تقدم ذكرُها، ما يدل على جوازِ كشفِ المرأةِ عن وجهها لأجنبي غيرِ خاطب؛ وعلى هذا فلا وجه لاستدلال الألباني بحديث سهل بن سعد رضي الله عنه على جواز السُّفُور لكل أحد، لأن ذلك مِن حَمْلِ الحديثِ على غيرِ محملِه.
الموضع الخامس: ذكر الألباني في الصفحة 11، أيضًا، حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كنَّ نساءُ المؤمنات يَشهدْنَ مع النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاةَ الفجر مُتَلفِّعاتٍ بمُروطهن، ثم يَنقلِبْنَ إلى بيوتهن حين يَقضِينَ الصلاة، لا يُعرَفْنَ من الغَلَس. ثم قال الألباني في الحاشية: ووَجْهُ الاستدلال به هو قولُها: لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس، فإنَّ مفهومه أنه لولا الغَلَسُ لعُرِفْنَ، وإنما يُعرَفْنَ عادةً من وجوهِهن وهي مكشوفة، فثبَتَ المطلوب.
والجوابُ أن يقال: ليس في هذا الحديث حُجَّةٌ للألباني! وإنما هو حجة عليه!! وقد تقدم إيرادُ هذا الحديث، وبيانُ وجه الاستدلال به على مبالغة نساءِ الصحابة رضي الله عنهم في التستر عن الرجال الأجانب وتغطيةِ الوجوه عنهم [2] .
الموضع السادس ذكر الألباني في الصفحة 12، حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، في قصة عِدَّتها عند ابن أمّ مكتوم، ثم قال الألباني في الحاشية: ووَجْهُ دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورةٍ ظاهر، وذلك لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أقَرَّ ابنةَ قيس على أن يَراها الرجالُ وعليها الخِمار - وهو غِطاء الرأس. فَدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجبِ سَتْرُه، كما يجبُ سَتْرُ رأسِها، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - خَشِيَ عليها أن يَسقُط الخمِارُ عنها فيظَهَرَ منها ما هو مُحرَّم بالنص، فأمَرها عليه السلام بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى.
والجواب أن يقال: ليس في هذا الحديث حُجَّةٌ للألباني! وإنما هو حُجَّةٌ عليه!! وقد تقدَّم إيرادُ الحديث وبيانُ وجه الاستدلال به على مشروعية استتِار النساء عن الرجال الأجانب، وتغطيتِهن وجوهَهن عنهم فليُراجَعْ [3] .
وأما قولُه: إنَّ الخمار هو غِطاءُ الرأس.
(1) في ص 24 - 28.
(2) انظر ذلك في ص 85 - 87.
(3) انظر في ذلك ص 77.