بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي مَنَّ على من شاء بالحماية والصيان، وقضى على من شاء بالسقوط والخذلان، فسبحانه من حكيم عليم يحول بين القلب والإنسان، ويصرف القلوب كيف يشاء فما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، فمن أراد به خيرًا حبَّب إليه الإيمان، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن أراد به شرًا خلَّى بينه وبين الشيطان.
أحمده أن جعل الغيرة في قلوب أهل الإيمان، فقاموا على نسائهم أحسن القيام وجنبوهن أسباب الافتتان، وجعل المهانة والدياثة في أراذل الإنسان، فأهملوا أمر نسائهم وأطلقوا لهن العنان، وتركوهن يمرحن ويسرحن حيث شئن ويتخذن الأخدان.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم الشان، الذي يملي لأهل الظلم والعدوان، ثم ينتقم ممن بارزه بالعصيان، فويل للكاسيات العاريات من عقاب المالك الديان، وويل لأوليائهن الراضين لهن بالهوان.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي بيَّن للناس غاية البيان، وحذَّرهم من حبائل الشيطان، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب غض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وعلى وجوب حفظ الفروج عن المحرَّمات، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [1] قال بعض المفسرين: في هذه الآية دليلٌ على تحريم النظر إلى غير من يَحِلُّ النظرُ إليه.
قلت: وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ترغيبٌ لهم وحَثٌّ على غضّ الأبصار وحفظِ الفروجِ، وإرشادٌ إلى أن هذين السببين من أعظم الأسباب لطهارة القلب ونَقاءِ الدِّين والعِرْض. وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} تهديدٌ لمن خالف ما أمَرَ الله به، من غضّ البصر وحفظِ الفرج.
ثم قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الآية [2] . فأمَرَ المؤمنات بما أمَرَ به المؤمنين، من غضّ الأبصار وحفظِ الفروج، وأمَرَهنَّ مع ذلك بالاستتار، ونهاهُنَّ عن إبداء الزينة للرجال الأجانب.
(1) من سورة النور: 30.
(2) من سورة النور: 31.